اليوم أيضاً يبدو أني لن أكون طبيعياً.. صحوتُ متأخراً، رغم أن هذا يحدث معي غالباً، حتى صار جزءاً من طبيعتي، ومن الطبيعيّ حين أصحو متأخراً أن أجد مدبّرة المنزل تبادرني بأسئلة عن طبيعة السهرة التي جعلتني أتأخر عن رؤية الطبيعة حين تكون بِكراً. أتذمّر بكلمات أحرص على ألا تفهمها، وحين أتأخر في الحمّام لأسباب ليس من الضروريّ أن أشرحها للمدبّرة، يزداد شكّها، فأطلبُ منها حين تساعدني بارتداء معطف الجلد الطبيعيّ، أن تصمت كرمال الأنبياء وما وراء الطبيعة.
عند الإشارة الضوئية رفعتُ صوت المسجلة رقمين، ففوجئت بامرأة عصبية تطلّ من شباك سيارتها، تصرخُ معترضة على ما اعتبرته صخباً غير مؤدّب، واصفة هذا السلوك بأنه ضد الطبيعة. كسرتُ الشرّ في منفضة السجائر، ورفعتُ زجاج السيارة، وانطلقتُ بإيعاز اخضرار الإشارة حتى أوقفتني سيارة الشرطة. الرقيبُ نظر إليّ كطبيبٍ عام متخرّج من يوغسلافيا القديمة، ثمّ كتب في المخالفة أني تجاوزتُ السرعة الطبيعية، وبعدما أطال النظر، كتب في وصف حالتي العامة ما يفيد بأني لستُ “نورمال”!
السمّان الذي لا يكترث بنهر الذباب عن أنفه أقرّ بفم دبق أنّي لستُ طبيعياً، ومذيعة النشرة الجوية نزلت عن الهواء لتخبرني أنّ طبيعتي في غير معدّلها الطبيعيّ، في مثل هذا الوقت من السنة، والمارة التعساء في شارع السعادة تهامسوا، وعرفت بالطبع أنّهم ينتقدون طبيعتي التي تطبّعتُ عليها قبل ثلاثين عاماً بين أحيائهم الخارجة عن الطبيعة، وثابر على ذلك أساتذة الدين والفيزياء والنحو، وعريف الصفّ الطويل كالألف بلا همزة، ذلك الذي كانت له مهمة محددة أوكلها إليه مربّي الصف: أنْ لا نكون على طبيعتنا.
نعم يبدو أني لم أقرأ طالعي في الجريدة قبل الخروج، لا بدّ أنه كان يحذّرني أن الأمور (من دون أن يحدد طبيعتها) ستسير في الاتجاه المعاكس، وأني سأكون عصبياً سهل الاستفزاز، وحساساً تجاه أيّ ملاحظة، وسأمضي النهار أحمل عبد القادر على كتفي، وفي السطر الأخير من المربّع المخصص لبرج السرطان، سينصحني الفلكيُّ الغامض بأن أتجنّب الناس حتى ساعات المساء، حيث سأقنع نفسي بأن الأمور (التي لم يحدد طبيعتها) جيدة.. وسأكون لائقاً في النهار التالي للحياة الطبيعية.
وقبل ألف نهار أذكر أنه كانت لي طبيعة اعتنيت بها كفتاة معروضة للخطابات، كنتُ أنظم عملية خروج الأنفاس من مخارج الحروف، وأضع قدح الشاي في الدائرة بمنتصف الصحن، أصفّق في المناسبات الاجتماعية كما يفعل محافظ ناءٍ، وأتكلم كالردِّ الآلي في حالة طلب الرقم، ورقمي دائماً في داخل الخدمة حتى لو كنتُ خارجها، ومشيتُ كالألف المهموزة في كلِّ الظروف الجوية الاستثنائية، وصقلتُ طبيعتي بالتطبّع على البلاغات الرسمية التي تقصدني تحديداً بـ “عزيزي المواطن”. وأضحكُ كالطبيعة بعد شتاء، فأنا رغم كلِّ قوانين الطبيعة: عزيز ومواطن!
سأكونُ لائقاً للحياة كما أنبأني بذلك الفلكيُّ الغامض، فالأمر تفسيره واضح: القمر اكتمل في برج ناريّ، فتأثر برجي المائيُّ. لكنّي اليوم أرى الشمس، بدأت نهاري بوجبة خفيفة من خيرات الطبيعة أعدتها المدبّرة التي أثنت على طبيعتي، وارتديتُ حذاء مريحاً من الجلد الطبيعي، لكني حين خرجتُ كان الجو خماسينياً لا يحتمل، ماطراً وغامضاً، وكانت المذيعة تؤكد لي وللسادة المستمعين أن الطبيعة اليوم يبدو أنّها خلعت طبيعتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock