أفكار ومواقف

نوعان من الشك..!

تقول إحدى الشخصيات في مسرحية “أشواك السلام” للكاتب المصري الكبير توفيق الحكيم: “عندما نشك، نفقد نصف القلب الذي نريد أن نكسبه”. والحقيقة أن العيش مع الشك تجربة مضنية لصاحبها. إنها ستملؤه بالحذر والتوقع وافتقاد الأمن. وبهذا المعنى العاطفي، يصبح الشك سبباً في بعثرة المجتمع والنكوص إلى الفردية. وفي الحقيقة، نستطيع التحدث بحميمية عن شكوك تساورنا يومياً. فمثلاً، يتصل بك أو يزورك شخص يمر بك عادة ولا يسلم، أو أنه لم يتذكرك منذ زمن، ويسرك وده المفاجئ، لكنك قد تفكر –بسبب تكرار الخبرة- بأن هذا الاتصال ربما يكون وراءه شيء أو مصلحة. وفي أغلب الحالات يكون الأمر كذلك، ويتلاشى سرورك الأول مثل قطعة ثلج سقطت في الماء. وهناك الكثير من تجليات الشك المضني، بدءاً من شك الأزواج والزوجات بالشريك؛ وصولاً إلى الشك الاجتماعي الذي يفقد صاحبه الثقة بمواطنيه ومسؤوليه وتعاملاتهم ودوافعهم. وعند هذا المستوى، قد يساعد عمل منظومات نافذة ذات مصلحة على تغذية أنواع مخصوصة من الشكوك بين الجماعات، لضمان تشتيت الجموع والانفراد بالهيمنة.يرتبط ذلك بعلاقة جدلية مع نوع آخر مختلف من الشك، الذي من أسمائه “الشك المنهجي”، أو “الشك الديكارتي”، منسوباً إلى طريقة الفيلسوف رينيه ديكارت. ويُعرَّف هذا الشك بأنه “عملية منهجية قوامها الشك في حقيقة كل معتقدات المرء”، بهدف التأكد من صحة هذه المعتقدات بدرجة من اليقين. وهذا النوع من الشك معرَّف بصفته “منهجي”. إنه ليس شكاً عُصابياً يُسلم صاحبه للتيه، وإنما عملية واعية مقصودة تهدف إلى تحقيق نوع من “الاستقرار” (ليس الاستقرار بمعنى السكون المطلق). وأتصور الشك المنهجي –على سبيل المجاز- شيئاً يشبه ما يلي:
يجلس الفرد، ويستخرج الأفكار الساكنة في عقله، واحدة بعد أخرى، ويضعها أمامه على الطاولة، ويحاول أن ينظر إليها بتجرد وكأنها لا تخصه، ويشرع في تفكيكها وتقليبها وفحصها مخبرياً. بعد ذلك يعيد تركيبها بأفضل ما يمكن أن تنتجه هذه العمليات. وفي النهاية، يقرر: إما أن يتخلص من الفكرة المعنية جملة وتفصيلاً باعتبارها فاسدة؛ أو أنه يستعيدها بشكلها الجديد تماماً، أو المعدل، أو حتى كما هي بلا تغيير. وهذه المرة، لن تكون فكرته شيئاً لا اختيار له فيه، والذي وضعه في رأسه أحد ما، فقبله مثل الوعاء الأصم، من دون مناقشة ولا سؤال.
أتصور أن الشخص “المطمئن”، بمعنى أنها لا تساوره أي شكوك في معتقداته، هو سبب لعدم الاطمئنان في العالم. إنه لا يكون نفسه بقدر ما يكون صناعة غيره، ولا يعدو كونه وعاء لتخزين أفكار جامدة لا تتزحزح. وسوف ينتج حاصل جمع هذه النوعية من الأفراد “المطمئنين” إلى صواب أفكارهم شيئاً واحداً على كل المستويات: الجمود. وهذه وصفة تخلف العلوم والسلوك وفقدان المكان في العالم المتحرك. ولو أن الناس توقفوا عن الشك في الأفكار والمعتقدات والقوانين، لكان الإنسان “المعاصر” ما يزال يحتفظ بأفكار ومعتقدات وتصورات وهيئة “الإنسان الأول”. ولذلك، سيختار الذي يخاف من الشك المنهجي الوقوف حيث هو، وتوريث الذين يأتون بعده نفس الموقف الذي يتجاوزه الآخرون.
إننا نحتاج بوضوح إلى تعلم الشك المنهجي، كآلية ضرورية للمراجعة والتخلص من الأفكار فاقدة الصلاحية، والتي تكشف الخبرة فسادها. وهذه هي وصفة الابتكار والتجدد والكشف عن مؤشرات حيوية. والمشكلة أن مختلف أنواع السلطات المعجبة بـ”حقائقها” كما هي، لا تحب هذا الشك المنهجي ولا تشجعه، لأنه يعني ببساطة محاكمة صوابها وشرعيتها وإخضاعها للفحص والمساءلة. والذي يخاف من الشك، هو الذي يخاف من كشف عيوب نفسه. ويشبه ذلك خوفنا من مراجعة طبيب وإجراء الفحوصات حين نشعر بخلل في أجهزتنا. إننا نقاوم شكوكنا في وجود علة ويُقعدنا الخوف من الكشف. لكن ذلك لا يحل شيئاً. ولو استجاب الشخص لشكوكه، وراجع طبيبه، فإنه ربما يجد أسباباً لشفاء علته فيتحسن، أو يتأكد من خلوه من المرض فيستريح.
الذين يمارسون الآن استعباد وقتل واستهداف الآخر –باعتباره مخطئاً حتماً وهم مصيبون بالمطلق- هم نتاج تحريم الشك المنهجي والفحص المنطقي، والمسؤولون عن كراهية العلم والإنتاج والتقدم. إنهم يروجون بيننا الشك الآخر، التآمري، الذي يجعلنا “نفقد نصف القلب الذي نريد أن نكسبه”!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock