أفكار ومواقف

هجرة داخلية..!

أصل الأشياء أن يهاجر الناس من الريف إلى المدينة، سعياً وراء الأرزاق أو العِلم وما شابه. لكنّ النّاس يهاجرون داخلياً أيضاً، في المدينة نفسها –هنا، من شرق عمّان إلى غربها- في مسعى للانتقال صعوداً في الطبقة الحضرية. وبعضهم هجّرتهم المدينة إليها قسراً حين تمدّدت غرباً فضمّتهم. ويجمع غرب المدينة أشتاتاً من المحليين والوافدين، والحضريين والبدو والفلاحين. وكلّهم عوالم مغلقة على شواغلها؛ لا يتعارف متجاورو الأبواب إلا لُماماً، ويستريحون إلى النأي قرباً من الخصوصية.
وفي الأحياء المتوسطة التي يفترض أن يكون قاطنوها أصحاب نعمة (معظمهم بيوتهم مرهونة للبنوك، أو مغتربون ابتاعوا الشقق بالمشقة وادخروها للشيخوخة)، يتضاعف الميل إلى الانطوائية، مصحوبة بغموض مفتعل للظهور بمظهر الملاءة المالية والوقار الطبقي. وحيُّنا من هذه؛ يجمع “فلل” أصحاب المنطقة الأصليين الذين فتح الله عليهم ببيع الأرض مع مدّ النفط، إلى عمارات الشقق الصغيرة -100 إلى 120 متراً مربعاً- لكنها مبنيّة من الحجر على الواجهات الأربع. ولحيّنا وسكانه أحوال.
مثلاً، أغلق جيران بعيدون الشارع الوحيد الذي يخدم الحي، من الرصيف إلى الرصيف، بصيوان “مصري” ملوّن، كمجاز عن بيت الشّعر الصحراويّ. وحتى مع وجود أرض ترابية خالية كبيرة بجوار الصيوان الذي أقيم لعزاء فيما يبدو، عفّ أصحاب المناسبة عن التراب، وآثروا احتلال الشارع المسفلت، واثقين أنّ أحداً لن يعترض؛ لا البلدية أو جماعة السّير، ولا سكان الحيَ الذين سُدّ سبيلهم، وترتب عليهم تدبُّر أمر وصولهم بيوتهم بلا سياراتهم كما يشاؤون. ومن سيتساءل عن سلوك أصحاب الصيوان وماهيتهم، فيغامر باحتمال أن يكونوا واصلين، فيوصلونه إلى ما لن يحب؟! ومن سيمسّ خاطر أناسٍ حزينين على ميّتهم، ويتعرض لردة فعلهم؟ ثمّ، أمّت الصيوان سيارة رسمية رباعية الدفع، فعُرف بعض السبب، ولم يبطُل كل العجب!
وفي شارع مجاور، مثلاً، منزلٌ يزاوج مظهره بخرق بين الأصالة والمعاصرة؛ بين الريفوية والمدنية. وكل الوقت، تتجول في عُرض الطريق أمامه دجاجات متعاليات، وديك فخور بحريّة الطيور! ومن فرط الحرص على هذا التجلّي لاعتناق التراث، وضعت البلدية في الشارع القصير مجموعة مطبّات متعاقبة؛ وربما أيضاً لحماية سائق قد يخذله بختُه ويلازمه نحسه، فيدهسَ دجاجة أو الديك. وإذا سلك أحد سكان الحيّ ذلك الشارع القصير اختصاراً للمسافة والزمن، ترتب عليه تحمّل رائحة الغنم والغثيان، وغضّ البصر عما يحفه عن يمين وشمال، واجتياز المطبات التي تقلب الأمعاء على مهل، والاستحاطة بتلاوة الفاتحة والمعوذات خشية أن يستغرب مروره أحد، فيستنطقه. لكن ذلك أفضل من شارع آخر في الحيّ، أغلقه سكانه بشكل دائم أمام المرور بسياراتهم وبكراكيب.
وفي حيّنا “دبّاب”. هل تعرفون الدبّاب؟ تلك المركبة بين الدراجة والسيارة، ذات العجلات الثلاث العريضة الكبيرة التي يستخدمها الأثرياء للتريض في الصحراء، وكسر رتابة فرط الدعة بالمغامرة؟ في الصيف، ينبعث الدبّاب في حارتنا من بياته الشتوي، ويذرع الشارع ذاهباً آيباً عند بعد الظهر وعند الغسق، ويهدُر محركه الكبير بدفعات متواترة مقصودة من البنزين –أو الديزل، لا أدري. ومن باب التنويع، يأتي سائق الدبّاب -الذي أميّزه من خوذته- على ظهر دراجة نارية “سكوتر”، ويملأ الفضاء بأصوات حادة هائلة العلوّ، تذكّر بنفخة الصور –والعياذ بالله- ولا يكفّ حتى يملّ، فيغادر في الآذان صمماً وبقايا دويّ يتلاشى مع عودة الهدوء النسبيّ. وبعده، تصبح ما كانت قبله أنكر الأصوات، حانية كأنها همس العشّاق! وأحياناً، يصحب السوّاق ابنه الصغير أو شقيقه –لا أدري- على متن “سكوتر” صغير على مقاسه، لكنّ صوته الجهير أكبر منه أيضاً. وكثيراً ما يدقّ على الإسفلت خبب خيول أو بغال، لا يُعرف من أيّ “فيللا” تخرّجت!
حيُّنا المدني-القروي-البدويّ، مجتمع مصغّر متنافر الملامح، يراوح في المنطقة القلقة بين الأزمنة والناس والأمكنة. منشغلٌ -مثل سكانه والآخرين- في قراءة نفسه، ومحاولة تحديد هويته وطبقته. يحنّ مرّة إلى القديم وكأنه هو، ويتقمص الحداثة تارة وكأنه هي؛ وما هو هنا ولا هنالك. إنه ما يزال يعيش هجرة داخلية مستمرة، ولمّا يجد مستقرّه بعد!

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock