ترجمات

هجوم إدلب: المشهد من دمشق

داني مكي* – (معهد الشرق الأوسط) 29/5/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينما يحتدم القتال في أنحاء إدلب، آخر محافظة تسيطر عليها قوات المعارضة في سورية، تكون الحرب في سورية قد وصلت إلى نهايتها الوحشية. ولن يكون هجوم الجيش السوري، الذي بدأ في أوائل شهر أيار (مايو)، سريعاً، ولكنه يؤشر بدلاً من ذلك على بداية لما يمكن أن يكون حملة طويلة وعنيفة -ومكلفة في نهاية المطاف. وإذا كانت الأسابيع القليلة الأولى من العملية يمكن أن تعرض دليلاً، فإن المقاومة في المحافظة سوف تكون شرسة -أشد بكثير مما كان متوقعاً في البداية. ومع تحول انتباه العالم نحو إدلب، أصبحت المخاطر الآن أعلى من أي وقت مضى.
أهداف الهجوم الذي يشنه الجيش السوري واضحة: إعادة فتح طريق دمشق – حلب السريع واستعادة مدينة إدلب، عاصمة المحافظة الأخيرة التي تسيطر عليها المعارضة منذ العام 2015. وقد بدأت الحملة بشكل جيد بالنسبة للجيش السوري، الذي سرعان ما تمكن من دفع قوات المعارضة إلى التراجع في شمال حماة، وسجل انتصارات مبكرة في بلدة قلعة المضيق الاستراتيجية من العصور الوسطى، وهي نقطة عبور رئيسية إلى داخل إدلب، واستولى على بلدة كفر نبودة، التي أصبحت الآن بمثابة المركز البؤري لمعركة قد تقرر نتيجة الهجوم برمته.
ومع ذلك، كان ذلك التقدم الذي أحرزه الجيش الحكومي قصير الأجل، حيث تمكنت هجمة مرتدة سريعة شنتها مجموعات هيئة تحرير الشام التحرير الشام، وجبهة التحرير الوطني وجيش العزة، من معاودة الاستيلاء على المدينة، وهو ما أجبر الجيش السوري على التراجع وإجراء مراجعة لخططه. لكن السيطرة على كفر نبودة عادت فتغيرت منذ ذلك الحين مرة أخرى، حيث تمكن الجيش السوري من استعادتها للمرة الثانية في غضون أسبوع واحد، بعد حملة قصف عنيفة استمرت ثلاثة أيام، ويبقى أن نرى ما إذا كان الجيش سيتمكن من الاحتفاظ بالسيطرة على هذه البلدة الاستراتيجية.
ألقى ناشطون مؤيدون للحكومة باللوم في سقوط المدينة الأول على هدنة كانت روسيا قد توسطت في عقدها في الأسبوع السابق ، وأشار حسن طاشبان إلى أن “الهجمات (التي شنتها المجموعات المتمردة) على كفر نبودة كانت ممكنة فقط بسبب الهدنة المؤقتة التي تم التوصل إليها بين روسيا وتركيا”. وكرر ربيع خلوَندي، وهو مراسل صحفي يختلط بالجيش السوري، التأكيد على أهداف الهجوم: “قرر الجيش الشروع في عملية تبدأ بشكل أساسي من ريف حماة واللاذقية، بهدف التقدم إلى أعمق مسافة ممكنة داخل إدلب، وهذا الهدف لم يتغير”.
من الواضح أن عملية إدلب ستكون شأناً طويل الأمد وأكثر صعوبة مما كان متوقعاً في البداية بالنسبة للجيش السوري، الذي عانى كثيراً على الخطوط الأمامية. وكانت محاولات الاستيلاء على بلدة كاباني الحيوية في محافظة اللاذقية، والتي كان رأس الحربة فيها هو قوات النخبة التي يقودها العقيد غياث الدلة والتابعة للفرقة الرابعة المدرعة، والتي يُعتقد أنها أكثر قوات الحكومة فعالية، كانت قد تعثرت بعد أن تم صدها. وعلى الرغم من أن الجيش السوري يتمتع بتفوق جوي كامل وقوة نيران كبيرة، فإنه سيحتاج إلى شن هجوم بري حسن التنسيق حتى يتمكن من اختراق إدلب. وعلى الرغم من أن ذلك ممكن على المدى الطويل، فإن التكاليف ستكون مرتفعة -وربما تكون مرتفعة للغاية بحيث لا يتمكن الجيش من الاستيلاء على المنطقة بشكل كامل والتمسك بها.
في أجزاء سورية التي تسيطر عليها الحكومة، يتم تصوير التصعيد في إدلب على أنه قتال ضد تركيا. وقام العميد سهيل الحسن، المعروف باسم “النمر”، والمسؤول عن قطاع حماة في العملية العسكرية، بإيصال هذه الرسالة حين حشد مجموعة من الجنود بالقرب من الخطوط الأمامية حول كفر نبودة، وقال لهم: “إنكم تقاتلون أشرس أنواع العدو وأسوأها على الإطلاق. إنكم تقاتلون القوات الخاصة الأميركية والتركية”. وفي حين أن مدى التدخل التركي غير واضح وربما يكون مبالغاً فيه، ما يزال ينظر إلى تركيا كقوة أجنبية معادية وداعمة لقوات المعارضة. وفي إشارة إلى المساعدة التركية للجماعات المتشددة في إدلب، قال المسؤول السوري فارس الشهابي في مقال نشر على وسائل التواصل الاجتماعي: “البلد يتعرض الآن لعدوان خارجي”.
كانت مشاركة هيئة تحرير الشام، وهي مجموعة تابعة لتنظيم القاعدة، في الدفاع عن إدلب حاسمة ومثيرة للجدل في آن معاً، وسوف تستمر في أن تكون كذلك طالما استمر الهجوم. وسوف يقوم الروس وحكومة الأسد في نهاية المطاف باستخدام مشاركتها المحورية في استعادة بلدة كفر نبودة إلى سيطرة المعارضة في ترويج المزيد من الزعم بأن إدلب تخضع لسيطرة “الإرهابيين”.
سوف يكون القتال من أجل إدلب صعباً: فالتضاريس قاسية وجبلية، وهي مثالية لنصب الكمائن، وتوفر الكثير من الغطاء لمقاتلي المعارضة الذين استخدموا الصواريخ المضادة للدبابات بفعالية وبتأثير مدمر في استهداف وتدمير العديد من دبابات الجيش السوري ومركباته. وفي حديثه عن صعوبات القتال، قال الجنرال السوري المتقاعد محمد عباس محمد: “إننا نقاتل جيشاً مستعداً جيداً، ومنظماً جيداً، ومدعوماً بعدد كبير من المفجرين الانتحاريين الذين يستخدمون عربات مدرعة، وبعدد من الطائرات المسيّرة”. وأضاف أن “الجيش السوري يحاول أن يحمي جنوده من خلال الانسحاب، وبذلك يكون التراجع مفهوماً في بعض الأوقات”. كما قلل عباس أيضاً من شأن الشائعات التي تقول بأن الهجوم سوف ينتهي في القريب. وقال: “الانسحاب من المواقع لا يعني أنك ستهرب من المعركة نفسها؛ سوف تكون هذه حرباً طويلة جداً، وكان لدى الميليشيات الكثير من الوقت للاستعداد للدفاع عن إدلب”.
مع ذلك، يتم الشعور سلفاً بالتكلفة المباشرة لعملية إدلب على الجيش السوري في كل أنحاء البلد. وقد عكست إحدى نشرات “شبكة أخبار جبلة” على فيسبوك عنواناً يومياً بارزاً ومتكرراً هذه الأيام: “وردنا الآن نبأ استشهاد نبراس نسيم ميا، الذي استشهد في معارك الشرف في كفر نبودة”. ولاحظ المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المئات من المقاتلين ماتوا على كلا الجانبين في المعركة من أجل السيطرة على البلدة.
في نهاية المطاف، سوف يتواصل الهجوم. وقد أظهر الجيش السوري هذا التوجه بوضوح حين قام بإسقاط مناشير على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والتي طلب فيها من الناس المغادرة لأن المنطقة هي منطقة “عمليات عسكرية”. وبالتزامن مع ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن فتح ممرين إنسانيين في بلدتي صوران وأبو الظهور من أجل السماح للمدنيين بإخلاء منطقة الحرب في إدلب، وهي في العادة إشارة إلى أن القتال سوف يتكثف ويتصاعد أكثر.
لا يقاتل الجيش السوري ضد مجموعة من المجموعات المتمردة في إدلب فحسب؛ وإنما عليه أن يتعامل الآن أيضاً مع التداعيات طويلة الأجل والنتيجة النهائية لسياسته القائمة على عمليات الإخلاء والصفقات المتفاوض عليها، حيث كان قد تم تحميل الثوار، والمتشددين والمدنيين على حد سواء على متن حافلات من كل أنحاء البلد وإرسالهم إلى هذه المحافظة الأخيرة. وقد حول ذلك إدلب إلى “غرب متوحش” للجماعات المسلحة القادمة من كل أرجاء البلد، ومن المرجح أن يكون القتال لاستعادتها من بين أشرس القتالات التي شهدتها الحرب على الإطلاق.
*صحفي يغطي الصراع السوري. يحمل درجة الماجستير في سياسة الشرق الأوسط من جامعة SOAS، وهو متخصص في العلاقات السورية مع روسيا وإيران.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Idlib offensive: The view from Damascus

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock