ترجمات

هجوم السحر الذي شنه “داعش” على تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي

توري ريسفلوند هامينغ* – (معهد الشرق الأوسط) 13/12/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لم يتمكن “داعش” من إغراء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بترك القاعدة والانضمام إليه. وفي الحقيقة، بعد نصف سنة من المراسلات لهذا الغرض، ألَّف عضو رفيع في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، أحمد عبد الحكيم الجزائري، نقداً مطولاً لتنظيم “داعش”، مؤكداً مرة أخرى عدم شرعيته. وبالنسبة للقاعدة والظواهري، كان من المهم للغاية أن تظل المنظمات التابعة، مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، موالية للتنظيم المركزي. وبذلك، لم يكن رفض دروكدال عرض عبد الحكيم دفعة مهمة في وقت يعاني فيه القاعدة فحسب، وإنما يُحتمل أن يكون قد أنقذ المجموعة كلها كما نعرفها. ولو انضم أحد فروع القاعدة إلى “داعش”، فإن المنظمات التابعة الأخرى كانت ستحذو حذوه على الأرجح، لتبدأ عملية كان يمكن أن تعني نهاية القاعدة.
* * *
يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، أعلن خليفة “داعش” الجديد المعلن ذاتياً توسيع خلافته إلى خارج سورية والعراق؛ حيث أصبحت المجموعة الجهادية هي المهيمنة، لتشمل فروعاً جديدة في السعودية، واليمن، ومصر، وليبيا، والجزائر. ومع ذلك، كان لـ”داعش” في حالة الجزائر منافس محلي. فقد عمل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في المنطقة لأكثر من عقد، وكان المجموعة الجهادية المتفوقة على غيرها بمسافة كبيرة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، مما جعله شريكاً جذاباً لطموحات “داعش” التوسعية. ومع ذلك، لم تنجح جهود “داعش” لاستمالة القاعدة في المغرب الإسلامي وإبعاده عن القاعدة المركزي -ولكن، ليس بسبب قلة المحاولات.
تلقي رسالة سرية حصل عليها هذا الكاتب من خلال مصدر داخلي الضوء على الجهود التي بذلها “داعش” لإقناع فرع القاعدة في المغرب بالقفز من السفينة، والتخلي عن تحالفه مع زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، والانضمام إلى صفوف البغدادي. والرسالة، المؤرخة بتاريخ 4 كانون الأول (2014)، كتبها أبو عبيدة عبد الحكيم، العضو في مجلس شورى “داعش”. وهي موجهة إلى أمير القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، عبد المالك دروكدال (أي أبو مصعب عبد الودود). وتشكل الرسالة بوضوح جزءاً من مراسلات جرَت بين الجهاديَّين الرفيعَين. ومع أننا لا نملك سوى هذه الرسالة فقط، فإنها تخبرنا بالكثير عن حواراتهما السابقة ومواطن انتقاد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لتنظيم “داعش”، وتزودنا بإطلالة نادرة على جهود المجموعة لإقناع فروع القاعدة بالانضمام إلى خلافتها الجديدة.
الرسالة في سياقها
في الوقت الذي كتبت فيه الرسالة، كان “داعش” قد أقام مسبقاً خلافته. وفي خطاب الإعلان عن قيامها، أعلن المتحدث الراحل باسمها، أبو محمد العدناني، أن كل المجموعات الأخرى في المناطق حيث توسعت المجموعة سوف تصبح لاغية. وبذلك، عندما أعلن البغدادي في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2014 توسع مجموعته إلى الجزائر، من بين أماكن أخرى، فقد فعل ذلك بلا شك على أمل أن مجموعته ستستطيع أن تستميل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتبعده عن القاعدة المركزي، وتقنعه بإعلان الولاء (البيعة) للبغدادي بدلاً من القاعدة. وتم إسناد مهمة مقاربة زعيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، دروكدال، إلى عبد الحكيم، الذي يبدو أنه لا يُعرف عنه الكثير سوى عمله في مجلس الشورى لمدة عام على الأقل، في 2014-2015، وكان مسؤولاً عن التواصل مع ما وراء منطقة بلاد الشام. وبعد عام لاحقاً، في كانون الأول (ديسمبر) 2015، كان عبد الحكيم أيضاً هو المسؤول عن إدارة مسألة الانشقاق في إمارة “داعش” اليمنية، عندما اشتكى بعض أعضاء المجموعة هناك من حاكمهم.
كان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قد انتقد خلافة “داعش” ورفضها مسبقاً في وقت حدوث المراسلات بين عبد الحكيم ودروكدال. وفي الحقيقة، كان هذا التنظيم أول فرع للقاعدة يفعل ذلك، في بيان أصدره يوم 4 تموز (يوليو) 2014، أي نفس اليوم الذي أعلن فيه البغدادي عن تأسيس الخلافة في الموصل. وفي البيان، انتقد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الإعلان، وشكك في شرعية “الدولة الإسلامية” وموقفه من السلطات المرجعية الجهادية الأخرى مثل طالبان والقاعدة. كما كرر القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أيضاً التزامه بالولاء لزعيم القاعدة، أيمن الظواهري، ودعا كبار الشخصيات الجهادية إلى تسوية النزاع. ولن تنشر توابع القاعدة الأخرى، مثل القاعدة في شبه القارة الهندية والقاعدة في شبه الجزيرة العربية، رفضها الرسمي للخلافة حتى أيلول (سبتمبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) على التوالي. لكن رفض القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي السريع فعل القليل لمنع “داعش” من شن هجوم سحر من الإطراء وخطب الود على دروكدال ومقاتليه.
بيع الخلافة
يمكن اعتبار رسالة عبد الحكيم تمريناً في بيع الخلافة على الجهاديين المتعاطفين. وقد انصب تركيزه على إبراز نجاح الخلافة في سورية والعراق وشرعيتها الأساسية، التي كانت نقطة خلاف رئيسية مع الجهاديين الآخرين في العام 2014. ويخبر عبد الحكيم دروكدال بأن الدولة الإسلامية الجديدة تزدهر، وأن قانون الشريعة الإسلامية يطبَّق في كل مناطقها. ويكتب لزعيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي: “كل واحد من أعمدة ومتطلبات الخلافة تم الوفاء به”. ويصبح من الواضح من الرسالة أن دروكدال كان قد عبر عن شكوكه في هذا من قبل، ويدعوه عبد الحكيم إلى إرسال موفد من طرفه للتأكد من أن الخلافة تسير بالفعل على الطريق القويم.
كما نعرف من رسالة عبد الحكيم أيضاً أن زعيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عبر عن مخاوفة إزاء ثلاث قضايا محددة: انتخاب خليفة من دون موافقة السلطات المؤهلة “أهل الحل والعقد”، وعدم وجود “تمكين” كمتطلب لتأسيس الخلافة، وكسر البيعة التي قدمها القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مسبقاً للظواهري.
لطالما كانت الأصوات المتعاطفة من داخل تنظيم القاعدة قد اعترضت منذ وقت طويل على أن قرار إقامة الخلافة تم اتخاذه من دون استشارة السلطات المختصة. ويزعم “داعش” بأنه استشار أهل السلطة محلياً، لكنه رفض مرة تلو المرة أن يذكر أسماءهم. وفي الرد على ذلك، يذكُر دروكدال ست شخصيات أيديولوجية رفيعة، والتي يعتقد بأنهم يجب أن يُعتبروا أهل الحل والعقد: أبو محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني، وسليمان العلوان، وأبو الوليد الغزي، وأيمن الظواهري، والملا عمر.
وفي المقابل، يأخذ عبد الحكيم رسالة دروكدال على محمل الجد بوضوح، فيرد بتفنيد كل واحد من هذه الشخصيات؛ بالنسبة للمقدسي وأبو قتادة، يقول إنهما كانا منتقدَين لـ”داعش” منذ وقت طويل، مما يعني أنهما سيكونان منحازيَن جداً بحيث لا يمكن أن يحكموا على شرعيته. وفي محاولة لتملق دروكدال يكتب، “إننا نعتبركم (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) أعلى بكثير من أن تقولوا نفس ما يقوله أبو قتادة الفلسطيني، الذي لم يكتف فقط بوصفنا بالخوارج، وإنما أكد أننا كلاب النار، وأن الدولة -التي بنيت بأشلاء ودماء وشرف المؤمنين بالتوحيد والتي أبهرت ودوخت المؤمنين من الشرق إلى الجنوب- هي دولة فقاعة”.
وعن المقدسي أضاف عبد الحكيم أن المرء لا يستطيع أن يثق في شخص لم يطلق في حياته سلاحاً باسم الله أبداً. وعن العلوان، يقول إن حقيقة وجود المفكر السعودي في السجن تشير إلى أنه ليس مالكاً لإرادة حرة، بينما يقول عن الغزي إن “داعش” ليس على دراية به حقاً، باستثناء بعض الكتابات على الإنترنت. وفي الموضوع الأخير، إما أن يكون هذا عرضاً في الجهل أو الاستفزاز، لأن الغزي كان مفكراً جهادياً من الطراز الأول للعديد من السنوات، وأمضى أيامه الأولى في لندن كداعية لأبي قتادة، قبل أن ينتقل إلى منطقة أفغانستان/ باكستان ليصبح مفكر القاعدة الداخلي. وعند نقطة ما، سجنه الباكستانيون، لكن سراحه أطلِق في العام 2017 وانتقل إلى تركيا. ويزعم عبد الحكيم بأن الملا عمر، زعيم طالبان، لم يشاهَد حياً منذ أكثر من 11 عاماً، في حين أن الظواهري، في نظر “داعش”، هو البطل الرئيسي للصراع بين الجهاديين ولا يمكن الوثوق به ليقرر بشأن خليفة.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينتقد فيها “داعش” هذه الشخصيات. كان مفكره البحريني الشاب، تركي البنعلي، قد كتب تفنيدات للمقدسي وأبو قتادة، في حين خصص قائد كبير آخر في “داعش”، أبو عبد الرحمن الشامي، كتاباً من 120 صفحة لتفكيك كتاب أبو قتادة “ثياب الخليفة”. ولدعم حجته بأن الجهاديين الذين ذكرهم دروكدال لا يتمتعون بسلطة حقيقية، يكتب عبد الحكيم أنهم لم يكونوا قادرين على منع إقامة الخلافة على الرغم من محاولتهم ذلك. وبدلاً من ذلك، كما يزعم، استشار “داعش” الناس الذين يعتبرهم مطلعين، لكنه لم يذكر أسماءهم.
يعلق عبد الحكيم بإيجاز أكبر على قضايا التعزيز الإقليمي والبيعة. وبالنسبة له، فإن سيطرة “الدولة الإسلامية” على الأراضي واضحة، وهي لا تسيطر على الأرض فقط، وإنما تحكمها وفقاً للشريعة الإسلامية أيضاً. ولتوضيح “تمكين” الدولة، يقول أن المرء يستطيع أن يسافر من حلب (في سورية) إلى ديالى (في العراق) ويظل مع ذلك في المناطق التي يسيطر عليها البغدادي. وبالنسبة للأفراد والجماعات التي كانت موالية سابقاً للقاعدة، كانت إحدى القضايا الرئيسية هي شرعية خرق البيعة. ولمعالجة ذلك، يتلف عبد الحكيم على الحجة، فيكتب: “فيما يتعلق بحجتكم بأن البيعة لا ينبغي خرقها، سنقول أن هذا كان صحيحاً قبل الخلافة. والآن وقد أصبحت لدينا خلافة حقيقية من دون أقل خطأ شرعي فيها أو في إمامتها، فإن كسر البيعة أصبح إلزامياً وفقاً للشريعة”. وبذلك، فإن الفعل غير المسموح به حقيقة سيكون عدم نقض بيعة القاعدة في بلاد المغرب العربي للظواهري، وتحويلها بدلاً من ذلك إلى البغدادي.
تسوية الاقتتال الداخلي؟
كانت الحجة التي تطرحها مختلف الجماعات الجهادية المتنافسة هي أن تنظيم “الدولة الإسلامية” كان المعتدي في الصراع الجهادي الداخلي، وأن إقامة الخلافة عملت على مفاقمة التوترات بين الجهاديين فحسب. ويتبع دروكدال هذا الخط من التفكير، لكن من غير المستغرب أن يعترض عبد الحكيم، مدعياً بأن الخلافة موجودة لتوحيد المسلمين. ومع أنه يعترف بأن الصراع الجاري يلحق الضرر بالجهاديين، فإنه يدعو دروكدال إلى التوسط، فيكتب: “وهكذا أخرى العزيز، إذا كنت تريد أن تتوسط من أجل المصالحة وحل النزاعات بطريقة ودية، وعلى أساس التوافق والتوفيق بين جميع المجاهدين بالإجماع على هذا الإمام وتحت هذا الخليفة، فإنك ستكون الوسيط المناسب”. وعند هذه النقطة، كان “داعش” قد رفض كل جهود المصالحة بين الفصائل الجهادية، محتجاً بأن عملية قضائية لتسوية النزاع يجب أن تتم تحت رعاية جهاز دولته وليس بين دولة ومجموعة، كما أطّر التنظيم المسألة. ومن غير المستغرب أن لا يكون دروكدال قد وافقهم على هذا العرض.
في جهد آخر لمحاولة إقناع دروكدال ومجموعته بالانضمام إلى “داعش”، يكتب عبد الحكيم أن “استهدافها بتشويه السمعة وإبطال الشرعية من قبل تنظيم القاعدة لا يجب أن يجعلها (الخلافة) غير شرعية من دون سبب قانوني يستند إلى الشريعة. هذه هي القضية الأساسية، نحن نحبكم أيها الإخوة ونحب أن يكون إخواننا الجهاديون وأمتنا موحدين على كلمة واحدة، ولذلك، كتب إليكم أمير المؤمنين للالتحاق بالركب، وتجاوز الخلافات ورأب الصدع”.
ولكن، كما نعرف، لم يتمكن عبد الحكيم وعرضه من تغيير رأي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وفي الحقيقة، بعد نصف سنة من هذه المراسلات، ألَّف عضو رفيع في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، أحمد عبد الحكيم الجزائري، نقداً مطولاً لتنظيم “داعش”، مؤكداً مرة أخرى عدم شرعيته. وبالنسبة للقاعدة والظواهري، كان من المهم للغاية أن تظل المنظمات التابعة، مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، موالية للتنظيم المركزي. وبذلك، لم يكن رفض دروكدال عرض عبد الحكيم دفعة مهمة في وقت يعاني فيه القاعدة فحسب، وإنما يُحتمل أن يكون قد أنقذ المجموعة كلها كما نعرفها. ولو انضم أحد فروع القاعدة إلى “داعش”، فإن المنظمات التابعة الأخرى كانت ستحذو حذوه على الأرجح، لتبدأ عملية كان يمكن أن تعني نهاية القاعدة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: ISIS’s charm offensive toward al-Qaeda in the Islamic Maghreb

*مرشح لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والاجتماعية في معهد الجامعة الأوروبية (EUI) في فلورنسا، وزميل زائر في مركز CERI-Sciences Po والمعهد الدنماركي للدراسات الدولية (DIIS). في أبحاثه، تخصص هامينغ في الجهادية السنية، وعلى وجه الخصوص الديناميات الداخلية بين الجماعات السنية الجهادية وداخلها. تعتمد رسالة الدكتوراه التي يعدّها على مواد أولية ومقابلات أجراها مع الأيديولوجيين الجهاديين وتتعامل مع الانشقاق في أوائل العام 2014 بين القاعدة والدولة الإسلامية وما تبع ذلك من صراع وتنافس بين المجموعتين -وليس فقط التأثير على المجموعتين المعنيتين، وإنما على الحركة الجهادية السنية الأوسع. قام هامينغ بعمل ميداني في الأردن والعراق والمغرب ومصر ونيجيريا والصومال، من بين أماكن أخرى.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock