تحليل إخباري

هجوم من أجل الهجوم

د. محمود أبو فروة الرجبي

ردود الأفعال السلبية المبالغ فيها على بعض الأخبار التي تنتشر في الأردن، تحتاج لدراسة، وتأن في تناولها حتى نصل إلى السبب الحقيقي الذي يجعل الناس تتفاعل مع السلبيات، وتضخمها، ولا ترى في أي إنجاز حقيقي ما يستحق نشره، أو حتى ذكره.
من الـمهم ألا يفهم كلامنا أننا نريد الحجر على من يرغب بالتعبير عن غضبه، أو عدم رضاه عن الأوضاع المعيشية، أو من ينتقد الحكومة ومؤسساتها، فهذا حق لكل مواطن، ولكن أن يصل الأمر إلى السخرية، والاستهزاء، وعدم التفريق بين ما هو حق طبيعي في التعبير، وما بين التنمر فهذا ما يجب التوقف عنده.
لنأخذ مثلًا التعليقات على دراسة حول فرض رسوم على مستخدمي 14 طريقاً حيويًا. من خلال رصد ردود أفعال الناس في منصات التواصل الاجتماعي، توصلنا إلى عدة ملاحظات:
الأولى: معظم الناس لم يقرأوا الخبر جيدًا، وتعاملوا معه على أنه قرار وليس مجرد دراسة، وهذا مرده إلى الشحن السلبي الهائل الذي يتلقاه الناس، بسبب الأوضاع المعيشية من جهة، وربما من أناس غاضبين بسبب شعورهم بالخطر على مكتسباتهم، أو لأنهم متخوفون من توجهات معينة لدى الدولة الأردنية، وما يهمنا في الـموضوع غالبية المواطنين الذين يعانون الأمرين بسبب الأوضاع المعيشية ويتفاعلون بدافع الانتقام من سوء أوضاعهم، وهذا مهم للحكومات كي تعيه وتضعه نصب عينيها وهو أن المواطن الذي لا يحصل على احتياجاته هو إنسان يتقبل أي معلومة “تفش غله” ولو كانت كاذبة، أو مغلوطة، أو مضللة.
الثانية: ان منصات التواصل الاجتماعي أعطت فرصة لـمجموعة من الناس للقيام بحملات قد تكون عادلة في بعض الأحيان، وظالمة في أحيان أخرى لشحن الناس سلبيًا، والإشكالية في الشحن السلبي أنه لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، وهذا ما أشرنا إليه سابقًا، وفرقنا به بين المعارضة الإيجابية، والنقد البناء الذي يؤدي إلى التغيير الحقيقي في الـمجتمع.
الثالثة: بعض الناس يستمتع بإظهار سيئات القرارات الحكومية، ولو ظهر له أن القرار الذي ينتقده غير صحيح، فلا يكلف نفسه عناء تصحيح الخبر، بل يواصل هجومه، والغريب أن هناك من يعتاد الهجوم لمجرد الهجوم، وهذا يحتاج إلى دراسة نفسية لمعرفة هذه الأسباب الغريبة، ونحن هنا لا نتحدث عن أشخاص يعون ما يفعلون، بل من ينقادون وراء الآخرين.
الإشكالية الكبرى التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي، ونتيجة لعمل خوارزمياتها في تضخيم توزيع الـمنشورات التي تجد تفاعلاً كبيرًا، وللأسف ان الـمنشورات العبثية، والمعارضة العدمية هي الأكثر تفاعلاً، بينما لا يحصل ذلك مع النقد البناء الإيجابي، والـمنشورات التي تدعو إلى البناء والإيجابية.
في موضوع الطرق مدفوعة الرسوم، فهذا يحصل في أي بلد في العالم ضمن شروط تحسين الطرق المجانية، وتطوير البنية التحتية، ولا مشكلة في عمل طرق مدفوعة الأجر لمن يريد أن يدفع ويستخدمها وهذا أصلاً يؤدي إلى ذهاب جزء من الناس إليها، فيقل الضغط على الطرق المجانية، تمامًا كما يحصل في الـمدارس الخاصة التي لولا استيعابها لعدد كبير من الطلبة لزاد الاكتظاظ في الـمدارس الحكومية وتحولت إلى كابوس بكل ما في الكلمة من معنى أكثر من الواقع الذي نعيشه.
النقد الإيجابي الحقيقي للحكومات والشخصيات العامة جزء من تطور وتقدم الأمم، أما التنمر، والتصيد، والإطلاق العشوائي للإشاعات، وفيضان السلبية والعدمية، فلا يمكن أن يطور الأوطان، ولن يغير الوضع القائم، وبلدنا يستحق الأفضل.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock