ترجمات

هدم البيوت الفلسطينية.. سلاح الاحتلال لتهجير الإنسان ومصادرة المكان

تقرير خاص – (أوريان 21) 26/10/2021

يشكل هدم مئات البيوت الفلسطينية كل سنة إحدى أقدم السياسات التي تنتهجها إسرائيل منذ نشأتها. ولا يمكن للفلسطينيين أن يضمنوا في ظل هذه الظروف حقهم في السكن، إذ يبقى البيت بالنسبة لهم، منذ النكبة، رمز السلب المتجدد الذي يتعرضون إليه… في فلسطين، يستخدم الاحتلال الإسرائيلي البيوت كعقاب لأصحابها ويقوم بهدمها من أجل ترحيلهم، أو يقوم بترحيلهم ثم هدمها، أو يهدمها ليعاقبهم على فعل مقاوم، أو يهدمها في حملات تهدف إلى التصفية الجماعية مثل الحروب على غزة، أو ضمن سياسات تهويد واسعة للمكان كما يحدث في القدس والأغوار شرقي الضفة الغربية، أو كوسيلة لتهديد الأسرى في السجون الإسرائيلية أثناء التحقيق: “إما هدم المنزل وتشريد العائلة أو تقديم اعتراف”… وقد دمر الاحتلال الإسرائيلي منذ النكبة أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية. وقدر عدد المنازل التي هدمها الكيان منذ ذلك الحين بنحو 170 ألف مسكن فلسطيني. وفي النكبة نفسها هُجر نحو مليون فلسطيني من المناطق التي احتلت في العام 1948، والذين أصبحوا الآن حول سبعة ملايين في أنحاء العالم.

  • * *
    حظي فيلم “المكان” للمخرج الفلسطيني الشاب عمر رمّال بملايين المشاهدات عندما نشره على منصات التواصل الاجتماعي خلال الهجمة الأخيرة على حي الشيخ جراح والقدس وما تلاها من عدوان على قطاع غزة في أيار (مايو) 2021.
    وتتلخص حياة الفلسطيني وتفاصيله وذكرياته جميعها، كما يظهر الفيلم الذي لا يزيد طوله على دقيقة ونصف، في بيته. ولذلك يتحول البيت بمساحته الشخصية: المطبخ وغرفة النوم والمعيشة والحديقة، إلى ساحة صراع مع المحتل.
    فبينما يعيش الفلسطيني تفاصيله اليومية ويبني أحلامه، تخيم على خلفية حياته سياسات اقتلاع مرئية وغير مرئية يمارسها الاحتلال ومستوطنوه من أجل السيطرة على هذا البيت/الحياة، وطرده منه ومنها، بما يحمله هذا من تهديد على حياته، وأمنه، واقتلاع من تاريخه، وسرقة ذكرياته وطمسها، في إطار سعي دؤوب إلى تغيير هوية المكان.
    يروي الفيلم بشكل هادئ معنى البيت على لسان الأم، مطبخها الذي تعد فيه “أكلات بحُب لأبنائها”، والابن “غرفة المعيشة التي يلهو فيها مع أصحابه”، وللابنة غرفة نومها و”بيت الألعاب” الذي أهداه لها والداها، وللأب حديقته، وفيها “ظل الشجرة” التي ورثها عن أبيه.. لكن الفيلم ينتهي بتكريس المعنى الإحلالي للاستعمار في فلسطين، عندما يقوم مجموعة من المستوطنين بطرد الأب، بعد أن سرقوا محتويات البيت شيئا فشيئا، ثم قاموا بإلقاء صاحبه خارجه، واحتلوا مكانه.
    هكذا يصبح البيت هو الحيز المغلق على حياة عائلة صغيرة، وهو أيضا الوطن المستهدف مع ساكنيه جميعاً. وفيه تمارس إسرائيل أنماطا مختلفة من العقاب الفردي والجماعي. فعبر سياساتها التي تستهدف بيوت الفلسطينيين، تتم عمليات الترحيل وتهويد الأمكنة والأحياء والمدن، وكذلك عمليات العقاب على أي فعل نضالي فلسطيني.
    تقول الفلسطينية وفاء عبد الرحمن:
    “هُجّر أبي -الحاج أبو حسين- إلى قطاع غزة من بلدته الصغيرة، دمرة (قرب بيت حانون شمالا). صبيا كان، بعمر الخامسة عشرة. وسكن مخيم اللاجئين في جباليا، ثم انتقل مستقلا عن عائلته إلى مخيم خان يونس جنوبا. وحين تزوج، انتقل للعيش في مدينة دير البلح وسط القطاع، مستأجراً بيتاً ورافضاً بشدة امتلاك منزل رغم قدرته المالية.. كان الأمل الكبير في العودة إلى دمرة يتملكه، ولم يخفت هذا الأمل يوماً -حتى بعد هزيمة 1967”.
    ولم يستسلم الحاج أبو حسين لفكرة امتلاك بيت في بداية الثمانينيات، أي بعد أكثر من ثلاثين عامًا من النكبة، ولم يسلّم للحظة بأنه لن يعود إلى بيت أبيه، إلا بعد ازدياد عدد أفراد عائلته واضطراره إلى تأمين سكن دائم لها.
    منذ العام 1948، بدأت علاقة الفلسطيني بالسكن تختلف، فالهجرة التي خلفتها النكبة آنذاك قلبت موازين معتقداته. والبيت الذي ورثه عن أجداده وآبائه كما يحدث لكل الناس في العالم، أُجبر على مغادرته قسرا، تاركا متعلقاته وذكرياته وتاريخ عائلته. ولم يحمل معه إلا مفتاح البيت، وفي المفتاح اختزل نكبته، وأيضاً أمله في العودة القريبة التي لم تتحقق بعد 73 عاما الآن، وإنما التي ظلت تتجدد لأجيال فلسطينية جديدة كل هذا الوقت.
    كان عام النكبة علامة فارقة في إعادة صياغة فكرة “السكن” وعلاقة الفلسطيني بالـ”مسكن”، ولذلك يبدو مصطلح “السكن” غريباً بعض الشيء في السياق الفلسطيني، حيث استبدل بمصطلح “البيت”، وصار البيت رمزاً لوطن المرء وحقه في العودة إليه، وكلما تقدمت السنوات من دون حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ازداد التمسك بـ”البيت” الذي تحول إلى حالة “نوستالجيا” تتوارثها الأجيال.
    “البيوت تموت إذا غاب سكانها”
    تميز المجتمع الفلسطيني بمعظمه كمجتمع فلاحي، على الرغم من سكن نسبة كبيرة منه في المدن المركزية. وفي المجتمع الفلاحي، كان البيت من دون طوابق، تحيطه أراض مزروعة بالأشجار والنباتات الموسمية.
    وفي المدينة، ميّز الحجر “المقدسي” بيوت العائلات المترفة، والحجر العادي العائلات متوسطة الدخل، في مجتمع اعتمد على التجارة والصناعات الصغيرة وما يقدمه البحر للمدن الساحلية. في النقاش حول معنى “البيت” عند الفلسطيني، تستذكر وفاء عبد الرحمن، نص “البيوت تموت إذا غاب سكانها” من قصيدة “لماذا تركت الحصان وحيدا؟” للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وهي التي لم تزر مسقط رأس والدها في دمرة قط، لكنها ورثت عنه الشعور الحزين بفقدان بيتهم الذي مات في غيابهم.
    وفي هذا النقاش أيضا، تستعيد الفلسطينية عزيزة نوفل ذكرياتها عندما قام جنود الاحتلال في العام 2005 بتفجير منزلها قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، بعد أن اعتقلوا زوجها وتُركت وحيدة مع أطفالها بلا مأوى. وتقول: “شعرت بأنني إنسانة معلقة في الهواء.. لا مكان لي”.
    في فلسطين، يستخدم الاحتلال الإسرائيلي البيوت كعقاب لأصحابها ويقوم بهدمها من أجل ترحيلهم، أو يقوم بترحيلهم ثم هدمها، أو يهدمها ليعاقبهم على فعل مقاوم، أو يهدمها في حملات تهدف إلى التصفية الجماعية مثل الحروب على غزة، أو ضمن سياسات تهويد واسعة للمكان كما يحدث في القدس والأغوار شرقي الضفة الغربية، أو كوسيلة لتهديد الأسرى في السجون الإسرائيلية أثناء التحقيق: “إما هدم المنزل وتشريد العائلة أو تقديم اعتراف”.
    500 قرية و170 ألف مسكن
    تفيد معلومات “مركز أبحاث الأراضي” بأن الاحتلال الإسرائيلي دمر منذ النكبة أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية. وقدر عدد المنازل التي هدمها الكيان منذ ذلك الحين بنحو 170 ألف مسكن فلسطيني. وفي النكبة نفسها هُجر نحو مليون فلسطيني من المناطق التي احتلت في العام 1948، والذين أصبحوا الآن حول سبعة ملايين في أنحاء العالم.
    وبحسب وحدة التوثيق في “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان” التابعة للسلطة الفلسطينية، فقد هدم الاحتلال 6.114 منزلا فلسطينيا في الضفة الغربية والقدس من العام 2009 إلى العام 2019. ولا يشمل هذا العدد نحو 19 ألف منزل دمرها الاحتلال خلال حروبه الأربعة الأخيرة (2009 و2012 و2014 و2021) على غزة.
    وبالتوازي مع هدم منازل الفلسطينيين وطردهم، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة وحدها بحسب دائرة الإحصاء الإسرائيلية أربع مرات منذ توقيع اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993.
    المخيم كمأوى مؤقت
    على خلفية النكبة، ظهرت في فلسطين تجمعات سكانية سمّيت بالمخيمات، لأنها تشكلت بالخيام في البداية واستقبلت عشرات آلاف اللاجئين من المناطق المحتلة في العام 1948، الذين فروا من العنف إلى الأجزاء التي لم تكن قد احتلتها إسرائيل في حينه، مثل الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس.
    في هذه المناطق، أقيم مع تقدم السنوات 27 مخيما للاجئين، والتي تحولت من الخيام إلى الوحدات السكنية الصغيرة. ثم أصبح اللاجئون يضيفون إليها بقدر ما سمح به الحيز المكاني الضيق، حتى أصبحت أكثر المناطق الفلسطينية ازدحاماً. ولا يتيح هذا النوع من المكان لسكانه ترف اختيار النوافذ وإطلالاتها أو إقامة أسوار أو شرفات. وهو في معظم الأحيان مجرد وحدات سكنية متراصة تسقط فيها خصوصية الإنسان وتنكشف تفاصيل حياته.
    وتسجل إحصاءات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وجود نحو مليون و300 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في مخيمات في مناطق الضفة الغربية والقدس، بينما يعيش نحو مليوني لاجئ في مخيمات ومناطق قطاع غزة.
    وحتى اليوم، أي بعد سبعة عقود على النكبة، لا يملك أي من هؤلاء الفلسطينيين وثيقة مُلكية لغرفة واحدة في هذه المخيمات، لأنها ما تزال مسجلة لملكية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). وربما لذلك سمى اللاجئون أحياءهم وشوارع مخيماتهم بأسماء قراهم التي هُجروا منها، مثل “حارة الدوايمة” في مخيم الجلزون شمال رام الله، وعلى غرارها الكثير.
    عقاب مضاعف
    تستخدم إسرائيل سياسة هدم المنازل كإجراء عقابي يستهدف عائلات منفذي عمليات المقاومة، سواء استشهدوا أو وقعوا في الأسر الإسرائيلي، على الرغم من أن ذلك يدخل في تصنيف “العقوبات الجماعية” المحرمة في القانون الدولي. وبذلك، لا يعاقب كيان الاحتلال الفلسطيني المقاوم وحده بالقتل أو الأسر فقط، وإنما يعاقب أيضاً عائلته بهدم بيتها وطمس تاريخها وذكرياتها، إلى جانب فقدان ابنها.
    منذ خريف العام 2015، عندما تصاعدت الهجمات الفلسطينية الفردية على أهداف إسرائيلية، صعّد الاحتلال من هدم منازل منفذي العمليات كإجراء عقابي ضد عائلاتهم. وسجلت المصادر الإسرائيلية هدم أكثر من 60 منزلا على هذه الخلفية خلال الأعوام 2016 و2017 و2018.
    على إحدى صفحات موقع منظمة الأمم المتحدة باللغة العربية، وثّق مندوبو المنظمة الميدانيون صورة لحذاء امرأة، يبدو جديدا ولم تستخدمه صاحبته بعد. وبدا الحذاء شاهدا على بقايا الناس الذين كانوا يقيمون في البقعة المسماة “حمصة” في سهل البقيعة، حيث قام الاحتلال بتهجير ست عائلات منها 24 طفلا بعد أن هدم مساكنها. وكان عمليات الهدم هذه جزءاً من الحرب التي تشنها إسرائيل على الأغوار في العقد الأخير بشكل خاص.
    ويفيد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية “أوتشا”، بأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي هدمت أو صادرت 474 مبنى فلسطينيًا في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية العام الحالي.
    وأوضح المكتب، في تقرير حديث له، أن “سلطات الاحتلال هدمت ما لا يقل عن 474 مبنى من المباني التي يملكها الفلسطينيون، بما فيها 150 مبنى موّلها المانحون، أو صادرتها أو أجبرت أصحابها على هدمها، ما أدى إلى تهجير 656 فلسطينيا، من بينهم نحو 359 طفلًا، في مختلف أنحاء الضفة الغربية”.
    وحسب المنظمة الأممية، يمثل هذا زيادة قدرها 32 % في عدد المباني المستهدفة، وزيادة تقارب 145 % في استهداف المباني المموّلة من المانحين (معظمها مدارس ومراكز ثقافية)، وارتفاعًا يربو على 70 % في عدد السكان المهجرين، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2020.
    وقالت “أوتشا” إن “تدمير الممتلكات على نطاق واسع، يشكل مخالفة جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة، وقد يرقى إلى جريمة حرب”.
    “بيتي القدس”
    توثق هيئة مقاومة الاستيطان الفلسطينية قيام سلطات الاحتلال بهدم نحو ألفي منزل في مدينة القدس وحدها منذ العام 2009 وحتى 2019، بحجة “البناء من دون ترخيص من الاحتلال”. وشهد حي “وادي الحمص” جنوب القدس المحتلة في تموز (يوليو) 2019 أكبر عملية هدم، والتي طالت أكثر من 70 منزلا دفعة واحدة من أجل تمكين الاحتلال بحجة البناء من دون ترخيص، لكن السبب الحقيقي هو تأمين شارع تستخدمه دوريات الاحتلال العسكرية.
    وإضافة إلى الحيلولة دون أي امتداد عمراني فلسطيني عن طريق مصادرة الأراضي وتشييد المستوطنات، لم تسمح إسرائيل للفلسطينيين بالبناء والعيش على أكثر 13 % من مساحة شرقي القدس المحتلة، مع تقييد كبير على منح تراخيص البناء.
    هكذا تحول البيت في القدس إلى ساحة معركة وجودية: “إما الفلسطيني أو محتله الإسرائيلي”. أو كما عبر عنه المستوطن الذي يحتل جزءا من بيت عائلة الكرد في حي الشيخ جراح: “إن لم أسرقه أنا، فسيسرقه غيري”. لقد حوّلت إسرائيل حياة الفلسطينيين وميراثهم عن أجدادهم ووجودهم الذي يعطي هوية للمكان، ليصبح نهبا للسارقين.
    لذلك، تستميت عائلة الكرد و28 عائلة أخرى في كرم الجاعوني بحي الشيخ جراح ومئات العائلات في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى في الدفاع عن وجودها المهدد بالطرد في أي لحظة. وتشير المصادر الحقوقية إلى أن عدد المنازل المهددة بالهدم في القدس قد يصل إلى 20 ألفا، يسكنها ما لا يقل عن 140 ألف مقدسي.
    بمناسبة اليوم العالمي للموئل (أو الإسكان) الذي يصادف الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) في كل عام، اعتبر مركز حماية الحق في الأرض والسكن، عقوبة “هدم المنازل ذاتيا”، من أقسى الجرائم التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسر المقدسية خاصة، حيث يُجبر صاحب المنزل على هدم منزله بيده كي لا يتكبد تكاليف هدمه من آليات بلدية الاحتلال الإسرائيلي. وتظهر بيانات المركز أنه في العام 2020، حيث أجبر الناس على البقاء في بيوتهم بسبب ظروف وباء كورونا، قام الاحتلال خلال الأشهر التسعة الأولى منه، بهدم 450 مسكناً ومنشأة في الضفة الغربية والقدس، ودفع ما لا يقل عن 80 مقدسيا إلى هدم بيوتهم بأيديهم.
    أجبرت سياسة الاحتلال الإسرائيلي التي تحاصر البناء الفلسطيني، لا سيما في القدس، السكان الفلسطينيين على البناء بلا ترخيص أو الهرب إلى محافظات الضفة الغربية، حتى بلغت حاجة المقدسيين وحدهم حوالي 25 ألف وحدة سكنية لتغطية الزيادة الطبيعية في أعدادهم.
    بفعل هذه السياسة، قامت في محيط القدس بلدات وأحياء لم تكن موجودة تاريخياً، مثل كفر عقب وشعفاط، التي لجأ إليها عشرات الآلاف من المقدسيين في حالة إحاطة موجعة بمدينتهم، حيث يقيمون في أحياء متراصة وشقق صغيرة باهظة الثمن، ويدفعون عنها الضرائب الباهظة، كي يظلوا قريبين من عائلات وأقاربهم وأعمالهم… هكذا يصبح البيت مأوى في الجوار. ولبيوت القدس القديمة خاصة رونقا مختلفا، إذ عبرت عن الحالة الاجتماعية والثقافية المزدهرة لعائلات المدينة قبيل نكبة فلسطين التي التهمت الجزء الغربي منها، ثم أجهزت على نصفها الشرقي بعد حرب العام 1967.
    كان هذا ما دفع بالمؤرخ والناقد الفلسطيني العالمي إدوارد سعيد إلى كتابة مقولته الشهيرة: “الأرض كلّها فندق وبيتي القدس”. هذا على الرغم من أنه عاد إلى مسقط رأسه في القدس بداية التسعينيات، بعد نحو 40 عاما من الغياب، ليجد بيت عائلته بحي الطالبية غربي القدس وقد احتله الغرباء -حتى أنهم لم يسمحوا له بالدخول لتفقده.
    تتفق مأساة إدوارد سعيد الواقف أمام بيته ممنوعا من دخوله مع قصيدة سالم جبران، التي يُجري فيها حواراً بين اللاجئ وبيته، متخيلا نفسه عائدا إلى صفد:
    “غريب أنا يا صفدْ، وأنتِ غريبة/ تقول البيوت هلا! ويأمرني ساكنوها ابتعد”.
    في مبادرات حديثة تتحدى فقدان الذاكرة، ينشط فلسطينيون، مثل طارق البكري، وجهاد أبو ريا وغيرهم، في الوصول إلى بيوت العائلات الفلسطينية المهجرة في القدس ويافا وحيفا وغيرها، ليعيدوا تذكير من تبقى من أصحاب هذه المنازل وأحفادهم الموزعين في الشتات بجذور أجدادهم وربطهم بها، على الرغم من أن معظمها يسكنها المستوطنون.

*مؤرخة مشاركة في المعهد الفرنسي للشرق الأوسط، متخصصة في التاريخ الاجتماعي لفلسطين والأردن في فترة نهاية العهد العثماني وأثناء الانتداب البريطاني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock