أفكار ومواقف

هدم الديمقراطية

خلال عقود السبعينيات الثمانينيات والتسعينيات، بدت الديمقراطية كما لو أنها قدر يزحف على الدول جميعها، محمولة على خطاب غربي نشط أراد مواجهة المد الشيوعي الذي حجز له مساحة واسعة هو الآخر في الساحة العالمية. قبل ذلك كانت هناك احتمالات عديدة لمواجهات مباشرة بين الكتلتين، لعل أخطرها كانت أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، التي كادت أن تؤدي إلى حرب شاملة. رغم ذلك، فإن المواجهات غير المباشرة كانت عديدة، وربما تكون أكثرها وضوحا هي حرب أفغانستان التي بدأت بدخول الجيش السوفيتي في العام 1979، واستمرت عشرة أعوام، وتورطت فيها عشرات الدول.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وازدهار مصطلحات العولمة ومحاربة الإرهاب، والإسلام السياسي، بدأ مصطلح «الديمقراطية» يبدو أقل بريقا. إن المصطلح الذي استخدم في الأصل للضغط على دول بواسطة مئات المنظمات الدولية والأهلية التي راقبت مؤشرات معينة في الدول المستهدفة، أصبح بلا فائدة تقريبا، ولم يعد يعني الدول الإمبريالية التي وجدت ضالتها في السيطرة المباشرة على أدوات الحكم في تلك الدول.
مع بداية الألفية الجديدة، مات المصطلح سريريا، ولم يعد أحد يستخدمه سوى السلطات الشمولية والمستبدة التي دافعت عن بقائها في السلطة تحت شعارات ديمقراطية تشبيهية، ووجدت في الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، داعما لها ولفسادها واستبدادها.
ما الذي تغير، إذن، خلال هذه العقود القليلة. وهل نحن أمام تحول حقيقي في علاقة الأنظمة ببعضها، من جهة، وعلاقة الأنظمة بشعوبها من جهة أخرى؟
يجمع الباحثون على أن القرن العشرين شهد انتشارا عالميا للديمقراطيات الجديدة في معظم مناطق العالم، باستثناء دول الشرق الأوسط التي بقيت عصية على منح شعوبها أي مشاركة في الحكم، لذلك ظل الحكم فيها شموليا وما بعد شمولي واستبداديا وعسكريا، وظلت قادرة على الدوام على تفريخ قادة مستبدين، غير متأثرة بجميع ما يحدث في العالم من تغيرات جوهرية في نظم الحكم وأشكاله.
لكن، ومع مطلع الألفية الجديدة، بدا أن أشكالا أخرى من الديكتاتوريات بدأت بالتشكل، وفي جميع العالم، تقريبا، حتى في العالم المتقدم ديمقراطيا، والذي تراجع عن كثير من الإنجازات التي حققها سابقا. حتى الانتخابات التي كانت تعبيرا عن الاختيار الشعبي لأناس الحكم، والمشاركة الرمزية فيه، أصبحت شكلا من أشكال التلاعب بالإرادة الشعبية، واحتكمت مخرجاتها إلى التأثير الاجتماعي، والثقل المالي، واتحاد اللوبيات.
ينقسم العالم اليوم إلى قسمين؛ الأول: الدول الخارجة عن الإرادة الأميركية، وهي مجموعة من الدول التي اختارت أن لا تدور في الفلك الغربي، وأن تبني أنظمتها التسليحية بعيدا عن الهيمنة، وهي دول شمولية في معظمها، وتتأسس على الديكتاتورية والاستبداد، وهي المؤشرات التي تظهر تباعا في بيانات المنظمات الدولية والأهلية، ويتم إدانتها من جميع الدول الغربية وساستها. بينما القسم الآخر يتكون من الدول التي تدور في فلك الولايات المتحدة، وهي دول، في معظمها، اختارت ديمقراطية «شكلية» أسست من خلالها استبدادا عاليا تحت ذرائع مختلفة، لكنها مقبولة غربيا، بحيث لا تتم إدانتها في أي مسلك استبدادي، طالما أن واشنطن راضية عن سلوكها العام.
هذان النموذجان يقضيان على أي فرصة لبناء الديمقراطية، خصوصا مع تراجع دور الإعلام العالمي وتسييسه حسب مقتضيات التمويل. وبالنسبة للعالم العربي تبدو هذه الحقيقة واضحة بشكل مفجع، فاصطفافات المؤسسات الإعلامية أدت إلى تحشيد الرأي العام العربي وانقسامه، وإلى تدمير بلدان عديدة تحت ذرائع لا يمكن تسويقها إلا في إقليمنا المبتلى بعسر الفهم.
التحول الديمقراطي العالمي الذي بشر به صموئيل هنتنغتون مطلع تسعينيات القرن الماضي على ضوء موجات البناء الديمقراطي في العديد من الدول، أصيب بنكسة كبيرة، وتحول مع الوقت إلى إجراءات شكلية صورية، لا يتم فيها للشعوب فعليا المشاركة في الحكم والرقابة على الممارسات العامة. بل إن المشكلة الأكبر هي في تراجع الشفافية، وتعاظم الفساد، وتنافس النخب السياسية مع رجال الأعمال في أمور التجارة، مع ما تحمله الممارسة من تعارض صارخ.
بعد ثلاثين عاما على «الموجة الكبرى للديمقراطية»، لا يبدو الحال أفضل مما كان عليه في ستينيات القرن الماضي، كما يبدو أن الطريقة التي تدار بها الدول لم يحصل عليها أي تحول حقيقي نحو تجذير الحريات، ونشر الممارسة الديمقراطية والرقابة الشعبية، أو على أقل تقدير، خفوت يد الاستبداد!
هناك اليوم، حركة عالمية منظمة لـ»احتواء» الديمقراطية، والتخفيف من خطرها على الأنظمة السلطوية والاستبدادية. وحتى نشهد موجة أخرى من التحول الديمقراطي العالمي، لا بد أن نتيقن بأن الوضع سيبقى على ما هو عليه، بعد أن تحولت السيطرة على دول العالم من الإمبريالية السياسية إلى إمبريالية الشركات العابرة للقارات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
انتخابات 2020
41 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock