ترجمات

هدوء ما قبل العاصفة في شرق المتوسط

هرقل ميليس* – (أحوال تركية) 16/8/2019

لدى تركيا أجندة سياسية عريضة وواسعة للغاية على الساحة السياسة الدولية. كما أن علاقاتها مع اثنتين من أقوى دول العالم؛ الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تتأرجح باستمرار بين التوتر والمساومات. وهكذا هو حالها مع الاتحاد الأوروبي أيضاً. غير أنه من غير الواضح على الإطلاق ما هو الشيء الخفي الذي لا يمكن مشاركته من خبايا تلك العلاقات.
ولا شكّ أن الأزمة الأبرز تتجسد في مسألة التوازنات داخل سورية. أما الأزمة القائمة مع الاتحاد الأوروبي فيبدو مع الأسف أنها خرجت حالياً من مجرد كونها ناتجة عن تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى النادي الأوروبي.
وفضلاً عن ذلك، لتركيا مشكلات مع دول الجوار، أرمينيا، وإيران، والعراق، وسورية، وإسرائيل، وقبرص، واليونان. ومن المثير في الوقت ذاته أيضاً أن تركيا تتمتع بصداقات أحياناً مع هذه الدول، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التوتر. ويشبه الأمر حقيقة وضع الأطفال الذين يلعبون في الشارع حينما يتخاصمون مع بعضهم بعضا ثم يتصالحون ثانية.
ولكن، لا توجد في كل هذه المشاحنات والصدامات حالات خطيرة تتسم بالأهمية، كما أنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق كما يروج نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، ويصنف هذه الخلافات على أنها “مسألة وجود” بالنسبة لدولته. فعلى سبيل المثال، لا يوجد في الأزمة السورية أي مشكلة كبيرة؛ إذ إنه عند التوصل إلى صيغة توافق ومصالحة بين الأطراف هناك، فلن يتعجب أحد. والأزمة السورية في الأساس هي تلك الخلافات التي حدثت بين بلدان فرعية خارج حدود الدولة السورية.
أما المشكلات والأزمات الأخرى، فلا تظهر أي نوع من أنواع الإلحاح. فعلى سبيل المثال، تبقى الخلافات القائمة بين تركيا واليونان في بحر إيجة، وكذلك التوتر بينها وبين أرمينيا، مشكلات يمكنها الانتظار لفترة أخرى، لا سيما وأنها قائمة منذ عشرات السنين.
أما مسألة موارد الطاقة والمنطقة الاقتصادية الحصرية في شرق المتوسط، فأمر مختلف. ويعد هذا الموضوع بحق “مسألة وجود” لأنه لو كانت هناك موارد طاقة ثرية بالمنطقة، فإن من سيملكها سيربح الكثير والكثير، فيما سيخسر كثيراً من يعجز عن الوصول إلى تلك الموارد. ولا ننسى أن غالبية الحروب قد اندلعت بسبب هذه النوعية من الموارد الطبيعية التي تعول عليها الكثير من الدول كسبب من أسباب تقدمها ورقيها.
كما أن الموضوع يعد ملحاً طارئاً ولا يمكن أن ينتظر على الإطلاق، وذلك لأن عمليات التنقيب بدأت بالفعل داخل المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص. وإذا لم تكن هناك ردة فعل حيال عمليات التنقيب هذه فإن هذه المنطقة الاقتصادية ستعد معترفاً بها لمن يقومون بالتنقيب فيها. فضلاً عن أن هناك الكثير من الدول التي لها الحق في تقاسم هذه الموارد.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن كلاً من إسرائيل، ومصر، واليونان، وقبرص، تعقد بين الحين والآخر اجتماعات مع ممثلي الولايات المتحدة في منطقة موارد الطاقة هذه. كما أن الشركات المشاركة في عمليات التنقيب لها علاقة بدول قوية كفرنسا وإيطاليا.
أما تركيا، فقد ظهرت في هذه المنطقة كـ”طرف مضاد” لهذه القوى المذكورة. أي أن عزلتها على الساحة الدولية تتجلى في أبرز صورها. كما أنها تصر أيضاً على حماية سفنها الحربية التي تنقب في مياه شرق المتوسط. وعلى الطرف الآخر نجد أيضاً أن القوى الأخرى تبقي على سفنها الحربية متواجدة في الأرجاء نفسها.
ولكن، لا شك أن الأزمة هي في الأساس أزمة قانونية. فكل طرف من الأطراف المعنية يزعم أنه يقوم بعمليات التنقيب داخل منطقته الاقتصادية الحصرية بموجب قانون البحار الدولي(UDH) -أي أن كل طرف يتحدث عن هذا القانون وهو يدافع عن حقوقه في هذه المنطقة.
وبالتالي، فإن حديث هذه الأطراف عن قانون البحار الدولي، يعد في حقيقة الأمر زعماً ونهجاً يبعثان على الأمل كثيراً، لأن هذا يعني أن الأطراف جميعها تتفق على قيمة سياسية ومرجع سياسي مشترك، ألا وهو: قانون البحار الدولي. أي أن هذا المرجع المشترك سيكون هو وسيلة الحل، وهذا أمر واضح. ومن ثم سيتم اعتماد نص هذا القانون وتطبيقه لحل هذه الأزمة الماثلة أمامنا.
يبقى هذا الكلام نظرياً؛ لكن الأمر مختلف تماماً من الناحية العملية. بموجب نص قانون البحار الدولي، فإنه في حال وجود خلافات يتعين على الأطراف المعنية الجلوس وجهاً لوجه على طاولة المفاوضات. وهذا مستحيل الحدوث حالياً على اعتبار أن تركيا لا تعترف بقبرص كدولة. ويعني ذلك أن قانون البحار الدولي لا يمكن تطبيق بنوده بخصوص هذه النقطة.
وحتى إن تم تجاوز مشكلة المفاوضات هذه، وقبلنا بأن أزمة جزيرة قبرص قد تم حلها نتيجة معجزة ما، سنجد على الجانب الآخر أن سقف مساومات تركيا مرتفع للغاية، فضلاً عن أنها تعتبر قبرص جزيرة، وأن الجزر ليست لها مناطق اقتصادية حصرية (كما هو الحال بالنسبة لجزيرة ميس اليونانية). فيما على الجانب الآخر ترى قبرص نفسها دولة وليس جزيرة. ولذلك من المستحيل انخراط الطرفين في أي مفاوضات في ظل هذه الظروف.
ووفق قانون البحار الدولي، فإنه في حال عدم توصل الأطراف المعنية إلى أي اتفاق، يتم اللجوء إلى القضاء لحل الخلافات القائمة. وهذه خطوة هي الأصعب، بل تعد مستحيلة تقريباً. لأن هناك دولة قبرصية غير معترف بها من قبل تركيا، وجزيرة شمال قبرص المعترف بها كدولة من قبل تركيا، ولكن لا وجود لشرعيتها على الساحة الدولية، فضلاً عن أن تركيا لن تسعى إلى حل القضاء لأنها تعتبر نفسها ذات ميزة في ميزان القوى.
الأمر أشبه ما يكون بحلقة مفرغة. ولكن، ماذا تبقى؟ هل سيتم الاتجاه نحو تجميد الوضع على ما هو عليه لفترة طويلة غير واضحة المعالم بسبب هذا التوتر؟ أم أن حرباً ما ستندلع وتؤدي إلى تغيير ميزان القوى وظهور احتمالات جديدة؟
نفهم من هذا كله يقيناً أن سباق موارد الطاقة في شرق المتوسط يعد من أكبر المشكلات التي تعاني منها هذه المنطقة، بل هي أسوأها وأكثرها واقعية وإلحاحاً. وأعتقد أن من يرون أو يدركون أهمية هذه المشكلة يتصرفون وهم يترددون في الكشف عن وجهات نظرهم في هذا الموضوع؛ حتى أن المقالات التي تتناول هذا الموضوع الشائك قليلة للغاية.
ومن المؤكد أنه عندما يتعلق الأمر بالمشكلات والأزمات القومية، فإن التحليلات والتعليقات عليها تكون ذات لونين، إما أبيض أو أسود فقط؛ إذ إن كل طرف من الأطراف يتناول فيما يقول وجهة النظر القومية أو الرسمية للبلد الذي ينتمي إليه، حتى ولو كانت وجهة النظر هذه خاطئة. ومن الطبيعي والمعتاد أن يدافع كل طرف عن الحقيقة التي يسوقها في مثل هذه القضايا.
كما أنه من النادر جداً أن يظهر الحياد الحقيقي في مثل هذه المواقف. لكن في هذه الحالة، أعتقد أن هناك أيضاً وضعاً جديداً، وهو أن المثقفين والمعارضة السياسية قد مهدوا، بعدم تعرضهم كثيراً لهذا الموضوع، أمام النظام ليتمادى فيما يقول. وهذا أمر طبيعي، فالتضامن الوطني القومي عادة دأبت عليها الدول والشعوب في الأوقات التي تعتبر مقدمات للحروب.
في الختام، أقول إنني أعتقد أن الأطراف المعنية كافة تدرك جيداً خطورة وأهمية ما يحدث، حتى وإن لم يروا ذلك بشكل كامل، وحتى وإن لم يتم الاعتراف به أو كان هناك تعمد للفت الانتباه إلى أشياء أخرى. وهكذا يمكن تفسير الصمت الإعلامي حيال هذا الشأن.

*كاتب تركي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock