أفكار ومواقف

هذا زمن العريفي

رغم حالة القطيعة السياسية والقانونية بين مؤسسات الدولة وجماعة الإخوان المسلمين “غير المرخصة”، إلا أن ذلك لم يحل دون تحرك الجماعة ممثلة بذراعها السياسية؛ حزب جبهة العمل الإسلامي، لنصرة الحكومة في مواجهة “الحملة الظالمة” على المناهج المدرسية، من قبل “أدوات علمانية ممولة أجنبيا”، على حد وصف بيان الحزب.
يظهر الحزب في موقفه هذا قدرا عاليا من البراغماتية، والتي هي من صفات الأحزاب العلمانية. فبعد كل الذي يقوله قادة الحركة عن “انقلاب رسمي” تقوده الدولة ضد الجماعة، ينتفض الحزب دفاعا عن الإرث المشترك في وزارة التربية والتعليم؛ فعند أبواب “التربية”، تتوقف دعوات الجماعة الإصلاحية، ولا يعود هناك حاجة للتطوير، ما دام الوضع القائم يخدم مصالح تيار بعينه.
لو قيّض لعملية الإصلاح في الأردن أن تأخذ مسارها الطبيعي، في كل المجالات، لتغيرت خريطة التحالفات والاصطفافات على نحو جذري. فالخريطة الحالية تعكس المواقف المتباينة حيال العناوين السياسية؛ قانون الانتخاب، ودور الأحزاب في الحياة البرلمانية، وسياسات الأردن الخارجية. لكن فيما يخص القضايا المتعلقة بإصلاح التعليم والحريات والمرأة والإعلام، فسنكون أمام خريطة مختلفة تماما، لا بل فيها من المفاجآت ما يثير الدهشة.
غير أن الحكومات المتعاقبة لم تسع يوما إلى منح عملية الإصلاح أبعادا أعمق، تتجاوز المعروض في سوق المناقشات من كلام عن التشريعات السياسية، من دون التفكير ولو مرة واحدة في الاقتراب من المسائل التي تخص جوانب الحياة الثقافية والتعليمية في البلاد.
ويمكننا أن نذهب أبعد من ذلك ونقول إن الأسس التي قام عليها تحالف البيروقراطية الرسمية للدولة مع الإخوان المسلمين، ما تزال قائمة، برغم فتور العلاقة في السنوات الماضية، وصولا إلى حد القطيعة مؤخرا. الخلافات بين الطرفين سياسية بامتياز، ولا تمس أبدا القضايا الجوهرية.
بيروقراطية الدولة الأردنية تبدو اليوم محافظة أكثر من أي وقت مضى، وغير مستعدة لخوض معركة التنوير والإصلاح، وراغبة في إعادة إحياء التحالف مع التيار الديني. ولهذا، ليس مستغربا أبدا أن عملية الإصلاح ظلت محصورة في دائرة السياسة، بينما لم تتحرك قيد أنملة في مجالات التعليم المدرسي والجامعي؛ مثلما أخفقت في قطاعات حيوية، كالنقل العام مثلا.
وصدام الدولة مع حركات الإسلام السياسي اليوم، يدور حول الشرعية وليس حول الموقف من الإصلاحات. ويلخص هذا الوضع التجاذب الحاصل حول قانون الانتخاب؛ فبينما تتمسك الدولة بنظام انتخابي يعزز سلطتها، يكافح الإسلاميون من أجل صيغة تمنحهم فرصة نيل الشرعية في الحكم.
ولا تجد الدولة بديلا للفوز في المواجهة، إلا بمقاربتين أساسيتين: الأولى، أمنية بامتياز. والثانية، تقوم على محاباة ثقافة التدين، مع محاولة إضفاء طابع عصري عليها، لتوائم مصالحها.
لذلك كله، ليس هناك من مبرر لقلق الإخوان المسلمين على المناهج المدرسية. لن يجرؤ أحد على مسها في ضوء المعادلة القائمة حاليا. المعنيون في قطاع التعليم يتخذون نفس موقف الإخوان تقريبا؛ لم يفتحوا فمهم بكلمة تعليقا على السجال المفتوح حول المناهج.
معاركنا الإصلاحية أصغر من ذلك بكثير. هذا زمن العريفي، فلا تخافوا.

مقالات ذات صلة

‫10 تعليقات

  1. كلمة السر
    هذا افضل مقال للاستاذ العزيز فهد.. كلمة السر هي السياسات وليس السياسة.. هنا يسقط الاخوان من عيون مؤيديهم لانهم لا يملكون رؤية ازاء كل القضايا.. وتجربتهم في مصر انصع برهان حيث فشل برنامج محمد مرسي لانه خرج من مخيلة وليس من معطيات واقعية.
    غدا سيثورون عليك يا ايها العزيز رغم انك وقفت بالامس إلى جانبهم في شأنهم الاهم مصر

  2. بن العريف والعريفي والعارف والمش عارف
    محاباة القيم الدينية عوضاً عن التمسك بالقيم الحقيقية للأديان من تسامح ورحمة وحب وجهاد في سبيل حياة افضل للجميع تضمن السعادة وفرصاً للعمل والعيش الآمن لأحفادنا غير واردة في آجندات من حرمهم الخالق من بعد النظر والايمان بالمصلحة العامة كأقصر الطرق للإيمان بالخالق…
    رحم الله عارف العارف ومعروف الرصافي ورحم الله المعرفة التي نصر على دفنها بأعذار غيرمقبولة ولم ينادي الدين بها .

  3. الاسلام هو التقدم والفكر
    حاول الكاتب للاسف الاساءه للنهج الاسلامي ملمحا انه ضد التقدم والتطور
    نقول لك كلمه واحده نحن نرفض ولا نحب ونستغني عن اي تطور تدعيه ان كان يمس ديننا ومبادئنا ومرتكزاتنا. حتى وان ادعيت انه تطور فهو تهور. فالمصطلحات لا تغير. معاني وجوهر الاشياء

  4. ساحي
    احييك جدا,,, فهذا زمن الخرفان الذين يمشون خلف رعاتهم من أصحاب اللحى و يصيحون فالقطعان ويتبنون نظريات المؤامرة الكونية, لا بد من المثابرة بإصلاح التعليم أولا لمنح الأجيال القادمة أي فرصه للتفكير الحر و الابداع .

  5. مقال مشتت
    كيف أقررت ان الوضع القائم في التربية والتعليم يخدم مصالح الاخوان في حين أن الاصلاح المطلوب ليس بالضرورة تغيير المناهج. ولماذا يرتبط مفهوم التنوير والاصلاح برفض ثقافة التدين؟

  6. سامي
    التاريخ دوما يذكر شجاعة الاحرار,,,,, اما العبيد فيموتون ارقاما….. شكرا لقلمكم…

  7. معاركنا الإصلاحية أصغر من ذلك بكثير
    هذا المقال لخص الموضوع بل الموضوعات كلها. منتهى الإبداع يا أستاذ فهد.

  8. غريب
    لا اعلم لم عكرت زيارة العريفي مزاج الكثير من كتاب الغد واصابتهم بغصة حلق كادت ان تودي بهم

  9. هذ ا زمن العريفي.
    مع انني من الناقدين لمناهج التربيه والتعليم وانها متاخره عن الكثير من الدول اﻻ انني ﻻانظر للموضوع من منطلقات دينية بحته وكأن اﻻستاذ فهد يعتقد ان تخلف المناهج بسبب اﻻرث المحافظ المتحالف مع اﻻخوان وهنا ارى ان في ذ لك اجحاف ﻻن ايس كل ما له علاقه باﻻخوان بشيء واﻻخلاق العامه جزء من تربية اﻻسلام وليس اﻻخوان اعتقد ان رجلا مثل العريفي يقيم الدنيا وﻻ يقعدها لدى الكثير من اﻻقﻻم ليعبر عن قوة الرجل وما يحمل من فكر وهزالة وضعف تلك اﻻقلام حتى اصبح عنوانا ﻻي مقال وﻻ ادري هل ثقافة المثليين هي البديل الجديد في مدارسنا كما يرغب الاحرار المتحررون ام ماذا والله من وراء القصد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock