أفكار ومواقف

هذا ما يحدث في عمّان وأخواتها

لا تعرف كيف تسكت الدولة أمام ظاهرة المرابين الافراد، وتحديدا المرابين الصغار الذين يقرضون الرجال والنساء على حد سواء، مقابل فوائد كبيرة.
هناك ظاهرة جديدة في الأردن، كانت موجودة سابقا إلا انها كبرت خلال السنين الأخيرة، أي ظاهرة الإقراض بالفوائد من فرد إلى فرد، وبين أيدينا عشرات القصص عن محلات تجارية تبيع أجهزة موبايل مثلا، سعره النقدي منخفض، لكنها تبيعه بسعر مرتفع، مقابل شيكات او كمبيالات، فيقوم رجال، ونسوة أحيانا، بشراء الجهاز، ثم بيعه لاحقا إلى أي شخص، او إلى المحل ذاته، مقابل أي ثمن، لحاجة الشخص إلى سيولة نقدية، وعملية البيع تتم مباشرة، وليس بعد الاستعمال، او بعد مرور وقت زمني.
الأمر ذاته ينطبق على ظاهرة الإقراض النقدي، أي أن تقترض من اشخاص، مقابل السداد بفوائد، وتتم كتابة شيكات، والفوائد اعلى من فوائد البنوك، وفي حالات كثيرة، لا يتم السداد بسبب التعثر، مثل الحالة السابقة، أي شراء جهاز الكتروني مثل الموبايل مقابل مبلغ مرتفع مع الفوائد، وبيعه لاحقا بحثا عن سيولة، وفي الحالتين لا يتم السداد، فتتم الملاحقة ثم السُجن، ولو حللنا مئات الحالات او اكثر ممن في السجون او ممن تتم ملاحقتهم لاكتشفنا انهم غرقوا مع مرابين صغار، لا يرحمون ابدا، ويمثلون وجها بشعا للمدينة في هذا العصر.
تفشي ظاهرة الإقراض من المصارف إلى المؤسسات الصغيرة، وصولا إلى المرابين الصغار، امر خطير جدا، لأن البلد بات يحكمها من يمتلك المال فقط، ومن بيده القدرة على الإقراض، مقابل طبقة غالبة تعاني من مشاكل مالية، وهذه الظاهرة اذا حظيت بمتابعة رسمية، او تحقيقات استقصائية صحفية، لكشفت عن وجه بشع لا يراه كثيرون، يغرس انيابه في أجساد الناس دون رحمة او شفقة.
أين هي الدولة ومؤسساتها عن تفشي عن هذه الأنماط، المخالفة قانونيا، وبالذات قيام الافراد بمنح قروض مقابل فوائد مرتفعة، خصوصا حين تصل الظاهرة إلى مرحلة منح المال مقابل الاشتراط على الرجل المحترم، أن يأتي بزوجته او ابنته لتوقع على شيكات، او تكفله، وبحيث يكون مهددا بعرضه في هذه الحالة، اذا لم يدفع، والمؤسف ان المروءة انحدرت بحيث بات كثيرون يقبلون ان يتم أسر زوجاتهم او بناتهم، مقابل مبلغ مالي يتم تبديده سريعا!
لقد آن الأوان ان تتم معالجة هذه الملفات التي تعبر عن قبح وبشاعة، وغياب الإنسانية في التعاملات، عبر أمرين، أولهما منع هذه الطريقة في القروض، من فرد إلى فرد، بالفوائد الربوية، وثانيهما إعادة النظر بكل مبدأ الشيكات.
لا بد من حل غير الشيكات، وتأثيرها القانوني، على الأقل للمعاملات الجديدة، لأن حجة الكل انه بدون الشيكات، فإن لا ضمانات، وان الحركة التجارية سوف تتوقف، وهذا الكلام على صحته، لا ينفي اليوم، ان الحركة التجارية توقفت تماما، حتى بوجود الشيكات، بسبب حالة الانجماد الاقتصادي، والتعثر المالي، ويكفينا جولة في شوارع عمان القديمة والجديدة، لنقرأ مئات اليافطات التي تعرض المحلات التجارية للبيع، والتي سوف تستقبل ضحية جديدة، بعد اخلاء المأجور على أمل ان يكون اشطر من غيره، واكثر حظا، وسط بيئة صعبة.
ظاهرة اقراض فرد بالفوائد لفرد آخر ليست جديدة تماما، إذ كانت سائدة بين المزارعين والاثرياء قبل عشرات السنين، وقد تجددت اليوم بشكل اكثر قوة، وتتفشى أيضا حتى بين المزارعين، وبين ملاك الأراضي الذين يضطرون لبيع ارضهم إلى ذات من اقرضهم بسعر اقل، مقابل الخلاص من الدين.
لا يجوز أن تتفرج الحكومات على هذه الظواهر ولا تتحرك، ولا تجرم كثيرا من الممارسات، ولا تمنع هذه الانهيارات، والاجابة لم تعد هنا مقبولة او مصدقة من احد، ولا إجابة مقنعة اليوم، سوى ان هناك من يريد اضعاف الناس، وارهاقهم، وتحويل الخزان الشعبي في هذا البلد الحساس، إلى خزان يفيض بالتعب، والشدة، وفتح كل بوابات التغيير الاجتماعية والأخلاقية عليه، تحت وطأة الحاجة إلى المال، ومن لديه رأي آخر، فليتفضل به.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock