صحافة عبرية

هرئيل.. أنتم من قمتم بتدمير الحكم

هآرتس

بقلم: عوزي بنزيمان

في مقطع لا ينسى في فيلم “كو فاديس” (الى أين تذهب)، يجسد بيتر يوستينوف شخصية القيصر نيرون وهو يأمر بإحضار كأس الدموع له وأن يسكبوا فيه دمعة من كل عين له من أجل التعبير عن الألم على روما التي تحترق. بعد ذلك، اختلف المؤرخون حول هل نيرون هو نفسه الذي أشعل الحريق الذي دمر المدينة، أو أنه فقط قام بدور المهرج المجنون، الذي رافق أعمال الشغب بالعزف والغناء؟. ولكن شخصيته الفظيعة في الفيلم التي قام بتمثيلها يوستينوف ترسخت في الوعي كرمز للحاكم الذي أفعاله تحدث الفوضى الخارجة عن السيطرة وتجلب الدمار والخراب للبلاد.
الاحتجاج الانفعالي لإسرائيل هرئيل على ضياع الحكم في إسرائيل (“هآرتس”، 26/11) ذكرني بدموع التماسيح للقيصر نيرون. هرئيل يهزأ من نمط حياة الترف والأنانية الذي ينسبه للإسرائيليين ويطالبهم بالامتثال: انتبهوا للأمر الأساسي. والأمر الأساسي، حسب رأيه، هو سعي إيران الحثيث للحصول على السلاح النووي. لامبالاة الجمهور من هذا الخطر الذي يسارع الخطى والعجز الذي يلاحظه في القيادة الإسرائيلية المترددة، حسب رأيه، في اتخاذ الخطوات العسكرية اللازمة لإفشال ذلك.
إن جوهر ادعاء هرئيل هو ضياع الحكم الذي ينسبه للقيادة الإسرائيلية على أجيالها. هو يتهم حكومات إسرائيل في العقود الثلاثة الأخيرة بعدم الشجاعة والخوف من استخدام القوة من أجل منع حزب الله من التسلح بعشرات آلاف الصواريخ التي تهدد أمن الدولة، ورفض التوجه الى الخيار العسكري حتى يحبطوا مسبقا تعاظم قوة حماس، بسوء التقدير وضعف العقل أمام الانتشار الذي ينسبه للأقلية العربية في النقب وفي الجليل.
هرئيل يربط بتشخيصه الكئيب المحاكم والقيادة العليا والمستوى المهني الأعلى في جهاز الأمن بكل فروعه على اعتبار أنهم هم الذين يعطون النغمة في تراخي يد الحكومات. موقفه يردد صدى ادعاءات بعض أعضاء الكنيست المتحمسين من اليمين، الذين أدانوا حتى في فترة حكم نتنياهو التأثير الزائد الذي نسبوه لحراس العتبة المهنيين على المستويات السياسية.
لكن أساس غضبه موجه لرئيس الحكومة: كيف سلموا جميعهم، من اسحق رابين وشمعون بيرس ومرورا باريئيل شارون وإيهود باراك وإيهود أولمرت وانتهاء ببنيامين نتنياهو ونفتالي بينيت، بضعف عقول المستشارين والخبراء المهنيين الذين قاموا بتوصيتهم بعدم القيام بخطوات متطرفة من أجل استباق الخطر الوجودي الذي يرى هرئيل أنه موجود في كل شبر. هو وجه انتقاد حاد لهم لأنهم لم يأمروا الجيش والشرطة والسلطات الأخرى المسؤولة عن أمن الدولة وعن النظام العام باستخدام القوة من أجل اجتثاث التهديدات. أي استخدام سلاح الجو من أجل أن يقضي على تجمعات الصواريخ في لبنان في مهدها، وتحريك الجيش الإسرائيلي الى داخل القطاع من أجل عدم السماح لحماس بالقوي والتسلح، وإرسال حرس الحدود الى التجمعات البدوية في النقب كي يحطموا التنظيمات العنيفة في مهدها، وأن يطبقوا بقبضة حديدية قوانين البناء في القرى العربية من أجل ترويض سكانها والامتثال للقانون.
حتى من هو مستعد لأن يتجاهل للحظة المعنى القانوني والحكومي المدمر والمتجسد في مقاربة إسرائيل هرئيل -في نهاية المطاف إسهام المستويات المهنية في عملية اتخاذ القرارات في حكومات إسرائيل يستند الى خبرتها ويرتكز على قوانين الدولة والتقاليد الحكومية- لا يمكنه أن لا يلاحظ المفارقة الكبيرة التي تظهر في أقواله. من أكثر منه ومن حركة الاستيطان الذي هو من قادتها منذ عشرات السنين، تسبب بضياع الحكم الذي يجده في سلوك حكومات إسرائيل على أجيالها. من إذا لم يكن مجلس “يشع”، بمبعوثيه الرسميين وغير الرسميين وكل الأشخاص الذين عملوا بدلا منهم، هم الذين دمروا سياسة الحكومة في يهودا والسامرة.
يجب على إسرائيل هرئيل أن يقرأ التقرير المفصل والمبرر الذي كتبته تاليا ساسون عن البؤر الاستيطانية غير القانونية، التي جمعتها بعد ذلك في كتاب بعنوان “على شفا الهاوية”، (من إصدار “كيتر”)، وأن يقوم بتنشيط ذاكرته ويتذكر كيف أنه تحت أنف الحكومة تم مد في الضفة الغربية شبكة المستوطنات. يجب عليه أن يقرأ وأن يسترجع كيف أنه منذ أيام ألون موريه (في منتصف السبعينيات) لم تكن هناك أي حيلة أو أي خدعة لم تستخدمها حركة الاستيطان من أجل توسيع وجود اليهود في المناطق المحتلة. ويجب عليه إلقاء نظرة على تقارير حركة “يوجد حكم” وأمثالها. وسيعرف عن العلاقة الخفية بين المستوطنين المخالفين للقانون وبين مستويات القيادة في الجيش، التي تسمح لهم بالتنكيل بالسكان الفلسطينيين. وأن يطلع على أحكام المحاكم في إسرائيل التي توثق نجاح حركة الاستيطان في توسيع حدودها بمساعدة صفقات قانونية.
المستوطنون تحولوا الى مرشدين. فتثبيت الحقائق على الأرض من خلال تجاهل قرارات الحكومة كانت بوصلة تقود سلوك قطاعات أخرى (الحكم الذاتي للأصوليين ومنظمات التهويد الأصولية الوطنية وأقسام في عالم الأعمال). إذا كان هناك من يجسدون لدغة العقرب التي تدمر جهاز المناعة للنظام في إسرائيل وقدرته على الحكم، فهم إسرائيل هرئيل ورفاقه. هيا، أحضروا كأس الدموع ولننضم اليهم في نحيبهم.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock