ترجمات

هرَميّة القبَليات (1 – 2)

جوناثان كوك* – (كونسورتيوم نيوز) 15/6/2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الصهيونية شكل من أشكال القبَلية الأيديولوجية التي تعطي الأولوية للامتياز اليهودي في المجالات القانونية والعسكرية والسياسية. وبغض النظر عن مدى اعتبارك نفسك يساريًا، إذا كنت تؤيد الصهيونية، فأنت تعتبر قبليتك العرقية مهمة للغاية -ولهذا السبب وحده، أنت عنصري.

وقد لا تكون مدركًا لعنصريتك، وربما لا ترغب في أن تكون عنصريًا، لكنك تكون كذلك افتراضياً.

في النهاية، عندما يحين وقت الحسم، عندما تدرك أن عشيرتك اليهودية تحت تهديد قبَلي آخر، سوف تعود إلى النمط. سوف تأتي عنصريتك إلى المقدمة.

* *
لا شيء يمكن أن يؤهلني بشكل أفضل للكتابة عن الشؤون العالمية في الوقت الحالي -وعن التدخل الغربي في أوكرانيا- أكثر من حقيقة أنني تابعت عن كثب تقلبات وانعطافات السياسة الإسرائيلية على مدى عقدين من الزمن.

سوف ننتقل إلى الصورة الأوسع بعد قليل. ولكن، دعونا قبل ذلك ننظر إلى التطورات في إسرائيل، حيث تتأرجح حكومتها “التاريخية” التي مضى على تشكيلها عام واحد -والتي ضمت لأول مرة حزبًا يمثل قسمًا من أقلية المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل- على شفا الانهيار.

لقد ضربت الأزمة، كما كان الجميع يعلمون أنها ستفعل عاجلاً أم آجلاً، لأنه كان على البرلمان الإسرائيلي التصويت على قضية رئيسية تتعلق بالاحتلال: تجديد قانون مؤقت قام على مدى عقود بتوسيع النظام القانوني لإسرائيل ليمتد إلى خارج أراضي إسرائيل، وتطبيقه على المستوطنين اليهود الذين يعيشون على أرض فلسطينية مسروقة في الضفة الغربية.

يقع هذا القانون في قلب النظام السياسي الإسرائيلي الذي تعترف مجموعات حقوق الإنسان الرائدة في العالم، سواء في إسرائيل أو في الخارج، الآن، ولو متأخرة، أنه كان دائماً نظام فصل عنصري.

ويضمن القانون حصول المستوطنين اليهود الذين يعيشون في الضفة الغربية بشكل ينتهك القانون الدولي على حقوق تختلف عن حقوق الفلسطينيين الذين تحكمهم سلطات الاحتلال العسكرية الإسرائيلية، وتتفوق عليها بما لا يُقاس.
ويكرس هذا القانون مبدأ عدم المساواة على غرار “جيم كرو” (1)، ويخلق نظامين قانونيين في الضفة الغربية: أحدهما للمستوطنين اليهود، والآخر للفلسطينيين. لكنه يفعل أكثر من ذلك في الحقيقة.

على مدى قرون، سمحت هذه الحقوق المتفوقة، وقيام الجيش الإسرائيلي بفرضها وإنفاذها، للمستوطنين اليهود بالهجوم على المجتمعات الريفية الفلسطينية وسرقة أراضيها مع إفلات مطلق من العقاب -لدرجة أن الفلسطينيين أصبحوا محصورين الآن في قطع صغيرة متفرقة مختنقة من وطنهم.

في القانون الدولي، تسمى هذه العملية “الترحيل القسري”، أو ما يمكن أن نفكر فيه على أنه تطهير عرقي.

وهو سبب رئيسي في أن المستوطنات تشكل جريمة حرب -وهي حقيقة تجد المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي صعوبة بالغة في تجاهلها. وكان كبار السياسيين والجنرالات الإسرائيليين سيحاكمون جميعًا بتهمة ارتكاب جرائم حرب لو أننا نعيش في عالم عادل وعاقل.

وإذن، ما الذي حصل عندما عُرض هذا القانون المذكور على مجلس النواب الإسرائيلي للتصويت على تجديده؟ الحكومة “التاريخية”، التي يُفترض أنها تحالُف قوس قزح من أحزاب يهودية يسارية ويمينية انضم إليها حزب فلسطيني محافظ دينياً، انقسمت على أسس عرقية بطريقة قابلة للتنبؤ بها بالكامل.

أعضاء الحزب الفلسطيني إما صوتوا ضد القانون أو تغيبوا عن التصويت. وصوتت كل الأحزاب اليهودية في الحكومة لصالحه.

وقد فشل القانون في نهاية المطاف -وأصبحت الحكومة الآن في مأزق- لأن حزب الليكود اليميني بزعامة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو انضم إلى الأحزاب الفلسطينية في التصويت ضد القانون، على أمل إسقاط الحكومة، حتى على الرغم من أن كل نوابه ملتزمون التزاماً كاملاً بنظام الفصل العنصري الذي يدعمه هذا القانون نفسُه.

اعتناق الفصل العنصري

لعل الأمر الأكثر أهمية في هذا التصويت هو أنه كشف عن شيء بشأن القبَلية اليهودية في إسرائيل أكثر بشاعة بكثير مما يقدِّر معظم الغربيين.

إنه يُظهر أن كل الأحزاب اليهودية في إسرائيل -حتى “الطيبة” منها التي يُطلق عليها وصف اليسار أو الليبرالية- هي في جوهرها عنصرية.

بشكل عام، يفهم معظم الغربيين أن الصهيونية تنقسم إلى معسكرين عريضين: معسكر اليمين، بما في ذلك اليمين المتطرف؛ ومعسكر اليسار الليبرالي.

اليوم، أصبح ما يسمى بالمعسكر اليساري الليبرالي هذا ضئيل الحجم ويمثله حزبا “العمل” و”ميرتس” الإسرائيليان. ويعد حزب العمل الإسرائيلي محترمًا جدًا لدرجة أن زعيم حزب العمل البريطاني، السير كير ستارمر، احتفل علنًا بعودة العلاقات معه مؤخرًا بعد أن كان الحزب الإسرائيلي قد قطع العلاقات خلال فترة قيادة سلَف ستارمر، جيريمي كوربين.

ولكن لاحظوا ما يلي: لم يقتصر الأمر على أن حزبي “العمل” و”ميرتس” كانا جالسَين على مدى عام كامل في حكومة بقيادة نفتالي بينيت، الذي يمثل حزبه المستوطنات غير القانونية، بل إنهما صوتا للتو لصالح قانون الفصل العنصري الذي يضمن للمستوطنين الحصول على حقوق أعلى من الفلسطينيين، بما في ذلك الحق في تطهير الفلسطينيين عرقيًا من أرضهم.

في حالة حزب العمل الإسرائيلي، سيكون هذا بالكاد مفاجئًا. كان حزب العمل هو الذي أسس المستوطنات الأولى، وباستثناء فترة وجيزة في أواخر التسعينيات عندما قدم خدمة شفهية بشأن عملية السلام، فإنه دعم دائمًا وإلى أقصى حد نظام الفصل العنصري الذي مكّن المستوطنات من التوسع.

ولم يزعج أي من هذا أبداً حزب العمال البريطاني، باستثناء الفترة التي قاده فيها كوربين، الرجل المكرس حقاً لمناهضة العنصرية.

ولكن، على النقيض من حزب العمل، فإن “ميرتس” هو حزب مناهض للاحتلال علناً.

كان هذا هو السبب في تأسيسه في أوائل التسعينيات. ومن المفترض أن تكون معارضة الاحتلال والمستوطنات متأصلة في حمضه النووي. وإذن، كيف صوت الحزب لصالح قانون الفصل العنصري ذاته الذي تقوم عليه المستوطنات؟

نفاق مُطلق

سوف يقول لك ساذج، أو لئيم، إن “ميرتس” لم يكن لديه خيار لأن البديل كان خسارة حكومة بينيت للتصويت -وهو ما حدث بالفعل على أي حال- وإحياء فرص نتنياهو في العودة إلى السلطة.

وهكذا، من المفترض أن يدي ميرتس كانتا مقيدتين.

إن هذه الحجة -عن الضرورة البراغماتية- هي واحدة نسمعها غالبًا عندما تتصرف المجموعات التي تدّعي أنها تؤمن بشيء معين بطرق تلحق الضرر بالشيء نفسه الذي تقول إنها تجله وتعتبره عزيزاً.

خزانات مياه فلسطينية دمرها المستوطنون في الخليل، 2009 – (المصدر)
خزانات مياه فلسطينية دمرها المستوطنون في الخليل، 2009 – (المصدر)
أنصار “ميرتس” في مسيرة لدعم حقوق الإنسان، تل أبيب، 2012 – (المصدر)
أنصار “ميرتس” في مسيرة لدعم حقوق الإنسان، تل أبيب، 2012 – (المصدر)

لكن المعلق الإسرائيلي جدعون ليفي يشير إلى نقطة كاشفة جداً وشديدة الأهمية تنطبق على ما هو أبعد بكثير من هذه الحالة الإسرائيلية بالذات.

ويشير إلى أن “ميرتس” ما كان ليُشاهَد أبداً وهو يصوت لصالح قانون تمييز عنصري -مهما كانت العواقب- لو أن القضية كانت تتعلق بانتهاك حقوق مجتمع المثليين في إسرائيل بدلاً من انتهاك الحقوق الفلسطينية.

إن “ميرتس”، الذي زعيمه نفسه مثلي جنسياً، يضع حقوق مجتمع المثليين على رأس جدول أعمال.

يكتب ليفي:

“ثمة نظامان قضائيان في المنطقة نفسها، أحدهما للأشخاص المستقيمين والآخر للمثليين؟ هل هناك أي ظروف على الإطلاق يمكن أن يحدث فيها مثل هذا؟ أو كوكبة سياسية واحدة يمكن أن تفعله؟”.

ويمكن قول الشيء نفسه عن حزب العمل، حتى لو كنا نعتقد، كما يعتقد ستارمر على ما يبدو، أنه حزب يساري. إن زعيمته، ميراف ميخائيلي، هي ناشطة نسوية متحمسة.

يكتب ليفي: “هل كان حزب العمل ليرفع يده أبداً للمصادقة على قوانين لتكريس التمييز العنصري ضد النساء (الإسرائيليات) في الضفة الغربية؟ على نظامين قضائيين منفصلين، أحدهما للرجال والآخر للنساء؟ أبداً. بالتأكيد لا”.

الفكرة التي يثيرها ليفي هي أنه حتى بالنسبة لما يسمى باليسار الصهيوني، فإن الفلسطينيين بطبيعتهم أقل شأناً بحكم أنهم فلسطينيون.

ويتأثر مجتمع المثليين الفلسطيني والنساء الفلسطينيات تمامًا بقانون التمييز العنصري الإسرائيلي الذي يحابي المستوطنين اليهود كما يتأثر الرجال الفلسطينيون.

وهكذا، بالتصويت لصالح هذا القانون، أظهر حزبا “ميرتس” و”العمل” أنهما لا يهتمان بحقوق النساء الفلسطينيات أو بأعضاء مجتمع المثليين الفلسطينيين، وإنما يعتمد دعمهم للنساء ومجتمع المثليين على عرق أولئك الذين ينتمون إلى هذه المجموعات.

لا ينبغي أن تكون ثمة حاجة إلى تسليط الضوء على مدى قرب هذا التمييز على أسس عرقية من الآراء التي يتبناها المؤيدون التقليديون لـ”قوانين جيم كرو” في الولايات المتحدة، أو أنصار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وإذن، ما الذي يجعل نواب حزبي “ميرتس” و”العمل” قادرين -ليس فقط على إظهار النفاق المطلق، وإنما الموافقة على مثل هذه العنصرية الصارخة؟ الجواب هو، الصهيونية.

إن الصهيونية هي شكل من أشكال القبَلية الأيديولوجية التي تعطي الأولوية للامتياز اليهودي في المجالات القانونية والعسكرية والسياسية.

وبغض النظر عن مدى اعتبارك نفسك يساريًا، إذا كنت تؤيد الصهيونية، فأنت تعتبر أن قبليتك العرقية مهمة للغاية -ولهذا السبب وحده، أنت عنصري.

قد لا تكون مدركًا لعنصريتك، وربما لا ترغب في أن تكون عنصريًا، لكنك تكون كذلك افتراضياً. في النهاية، عندما يحين وقت الحسم، عندما تدرك أن عشيرتك اليهودية تحت تهديد قبَلي آخر، سوف تعود إلى النمط. سوف تأتي عنصريتك إلى المقدمة، تمامًا كما فعل جماعة “ميرتس” للتو.

تضامن خادع

ولكن، بالطبع، لا يوجد شيء استثنائي بالنسبة لمعظم اليهود الإسرائيليين أو أنصار إسرائيل الصهاينة في الخارج، سواء كانوا يهودًا أم لا.

إن القبَلية متوطنة في الطريقة التي ينظر بها معظمنا إلى العالم، وتطفو بسرعة على السطح كلما تصورنا أن قبيلتنا في خطر.

يمكن لمعظمنا أن يتحول بسرعة إلى قبائِلي متطرف. عندما تتعلق القبلية بمسائل أكثر تفاهة، مثل دعم فريق رياضي، فإنها تظهر في الغالب في أشكال أقل خطورة، مثل السلوك الفظ أو العدواني.

لكنها إذا كانت تتعلق بمجموعة عرقية أو قومية، فإنها تشجع مجموعة من السلوكيات الأكثر خطورة: الشوفينية، والعنصرية، والتمييز، والفصل، وإثارة الحروب.

بقدر حساسية “ميرتس” تجاه هوياته القبَلية الخاصة، سواء كانت اليهودية أو التضامن مع مجتمع المثليين، فإن حساسيته تجاه المشاغل القبَلية للآخرين يمكن أن تتلاشى بسرعة عندما يتم تقديم تلك الهوية الأخرى على أنها تهديد.

وهذا هو السبب في أن “ميرتس” يفتقر، بإعطاء الأولوية لهويته اليهودية، إلى أي تضامن حقيقي مع الفلسطينيين -أو حتى مع مجتمع المثليين الفلسطينيين.

بدلاً من ذلك، تبدو معارضة “ميرتس” للاحتلال والمستوطنات غالباً متجذرة في الشعور بأنها أشياء مضرّة لإسرائيل وعلاقاتها مع الغرب أكثر مما هي جريمة ضد الفلسطينيين.

هذا التناقض واللا-تساوُق يعني أننا يمكن أن ننخدع بسهولة بشأن من هم حلفاؤنا الحقيقيون. إن مجرد تشاركنا في الالتزام بشيء، مثل إنهاء الاحتلال، لا يعني بالضرورة أننا نفعل ذلك للأسباب نفسها -أو أننا نُسنِد الأهمية نفسها لالتزامنا.

على سبيل المثال، من السهل أن يفترض نشطاء التضامن مع الفلسطينيين الأقل خبرة، عندما يستمعون إلى سياسيي “ميرتس”، أن الحزب سيساعد على تقدم القضية الفلسطينية.

لكن الفشل في فهم أولويات “ميرتس” القبَلية هو وصفة لخيبة الأمل المستمرة -والنشاط غير المجدي بالنسبة للفلسطينيين.

ظلت عملية “سلام” أوسلو ذات مصداقية في الغرب لفترة طويلة فقط لأن الغربيين أساؤوا فهم كيفية توافقها مع الأولويات القبَلية للإسرائيليين.

كان المعظم على استعداد لدعم السلام بمعناه المجرد طالما أنها لا تترتب عليه أي خسارة عملية لامتيازاتهم القبَلية.

وقد أظهر إسحاق رابين، الشريك الإسرائيلي للغرب في عملية “أوسلو”، ما تنطوي عليه هذه القبَلية في أعقاب الهجوم المسلح الذي نفذه المستوطن باروخ غولدشتاين في العام 1994، وقتل وجرح فيه أكثر من 100 فلسطيني أثناء أداء الصلاة في مدينة الخليل الفلسطينية.

بدلاً من استخدام حادث القتل الوحشي كمبرر لتنفيذ التزامه بإزالة المستعمرات الصغيرة للمستوطنين المتطرفين من الخليل، وضع رابين الفلسطينيين في الخليل تحت حظر التجول لأشهر عدة.

ولم يتم رفع هذه القيود بشكل كامل عن العديد من الفلسطينيين في الخليل، وسمحت للمستوطنين اليهود بتوسيع مستعمراتهم منذ ذلك الحين.

النظام الهرمي للقبَلية

هناك نقطة أخرى تحتاج إلى التأكيد والتي توضحها الحالة الإسرائيلية الفلسطينية جيدًا. ليست كل القبَليات متساوية، أو خطرة بالقدر نفسه.

الفلسطينيون قادرون تمامًا على أن يكونوا قبَليين أيضًا. انظروا فقط إلى المواقف المعتقدة بالصلاح الذاتي لبعض قادة حماس، على سبيل المثال.

ولكن مهما كانت الأوهام التي يؤويها الصهاينة، فمن الواضح أن القبَلية الفلسطينية تظل أقل خطورة بكثير على إسرائيل من خطورة القبَلية اليهودية على الفلسطينيين.

تحظى إسرائيل، الدولة التي تمثل العشائر اليهودية، بدعم جميع الحكومات الغربية ووسائل الإعلام الرئيسية، وكذلك معظم الحكومات العربية، وتواطؤ المؤسسات العالمية على الأقل.

وتمتلك إسرائيل جيشًا وقوات بحرية وجوية، وكلها تستطيع الاعتماد على أحدث وأقوى الأسلحة، المدعومة هي نفسها بشكل كبير من الولايات المتحدة، كما تتمتع إسرائيل أيضًا بوضع تجاري خاص مع الغرب، مما جعل اقتصادها واحدًا من بين الأقوى على سطح الكوكب.

يمكن بسهولة دحض الفكرة القائلة إن لدى اليهود الإسرائيليين سببا أكبر للخوف من الفلسطينيين (أو في وهم آخر، العالم العربي) أكثر مما لدى الفلسطينيين ليخشوه من إسرائيل.

فكروا ببساطة في عدد اليهود الإسرائيليين الذين يرغبون في تبادل الأماكن مع فلسطيني -سواء كان ذلك في غزة، أو الضفة الغربية، أو القدس الشرقية، أو من الأقلية التي تعيش داخل إسرائيل.

والدرس هو أن هناك تسلسلاً هرمياً للقبائل، وأن قبلية ما تكون أكثر خطورة إذا كانت تتمتع بسلطة أكبر.

أن القبلية الممكَّنة تمتلك القدرة على إحداث ضرر أكبر بكثير من القبَلية المستضعفة. ليست كل القبلية مدمرة بالقدر نفسه.

لكن هناك نقطة أكثر أهمية. إن القبلية القوية تستفز بالضرورة وتكثِّف وتعمق القبَلية المستضعفة. غالبًا ما يزعم الصهاينة أن الفلسطينيين هم شعب مختلَق أو وهمي لأنهم لم يُعرفوا كفلسطينيين إلا بعد قيام دولة إسرائيل.

وقد اشتهرت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة، غولدا مائير، باقتراحها أن الفلسطينيين شعب مخترَع.
كان هذا، بطبيعة الحال، هراء خادماً للذات.

لكن له نواة من الحقيقة تجعله يبدو معقولاً. لقد تجلت الهوية الفلسطينية وتكثفت نتيجة التهديد الذي يشكله المهاجرون اليهود القادمون من أوروبا، بدعوى أن الوطن الفلسطيني هو وطنهم.

كما يقول المثل، أنت لا تقدِّر دائمًا ما لديك تمامًا حتى تواجه فقدانه.

كان على الفلسطينيين أن يشحذوا هويتهم الوطنية، وطموحاتهم الوطنية، في مواجهة التهديد المتمثل في ادعاء شخص آخر يعتقد بأن ما لديهم كان دائماً مُلكَه ويعود إليه. (يُتبَع)

*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في مدينة الناصرة لمدة 20 عامًا.

عاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف لثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: “الدم والدين: كشف قناع الدولة اليهودية” (2006)، و”إسرائيل وصدام الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط” (2008)؛ و”فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس البشري” (2008).

هامش:

(1) قوانين جيم كرو (Jim Crow Laws)‏ مصطلح أصبح شائع الاستخدام في الغرب في ثمانينيات القرن التاسع عشر الميلادي، عندما صار الفصل الاجتماعي مشروعًا في كثير من الأجزاء الجنوبية للولايات المتحدة.

يُشير المصطلح، أصلاً، إلى شخصية سوداء البشرة في أغنية شعبية تم تأليفها في العام 1830م. وطالبت القوانين بفصل الأعراق في كثير من الأماكن العامة.

ولكن أُعلن عن عدم شرعية أغلب هذه القوانين في الولايات المتحدة، بموجب قرارات أصدرتها محاكم عليا متعددة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين الميلادي، وقوانين الحقوق المدنية للعام 1964م و1968م.

ظهر مصطلح “قوانين جيم كرو” لأول مرة في العام 1904 وفقًا لقاموس اللغة الإنجليزية الخاصة بالولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من أن هناك بعض الأدلة على استخدام المصطلح قبل ذلك الحين.

وغالبًا ما تنسب عبارة “جيم كرو” إلى أغنية “اقفز يا جيم كرو”، وهي أغنية ورقصة كاريكاتيرية تسخر من السود الأميركيين، من أداء الممثل الأبيض رايس توماس. وظهرت الأغنية للمرة الأولى في العام 1832 وكانت تستخدم للسخرية من سياسات أندرو جاكسون الشعبوية.

ونتيجة لشهرة رايس، أصبح تعبير “جيم كرو” هو الوصف التحقيري لزنوج أميركا خلال العام 1838، ومن هنا عرفت قوانين الفصل العنصري باسم “قوانين جيم كرو”.

 اقرأ أيضا في ترجمات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock