الغد الاردنيتحليل إخباري

هزاع المجالي.. يفتح النوافذ على الحياة

غازي الذيبة

على غير عادة الصباحات الهادئة في عمان، كان صباح الاثنين التاسع والعشرين من آب (أغسطس) 1960، مشحونا بالريبة والترقب. لم يكن أحد يدرك ما يخبؤه ذلك اليوم من الاعيب، تصنع صبغتها السوداء في معامل الأسئلة والقلق.
وعمان التي تستيقظ على صوت الناس والطيور كل يوم، بدأت عقارب ساعتها تتباطأ عند الثامنة والنصف صباحا في شارع السلط، الذي تتربع على طرفه دار رئاسة الوزراء (مقر البنك المركز الاردني حاليا)، وتمر فوقها غمية قاتمة، وكأنها تنبئ بحدث كبير، سيغير من ملامح الصورة التي رسمتها عمان لنفسها في تلك الايام.
كان رئيس الوزراء هزاع المجالي، يدخل دار الرئاسة مع مرافقه ممدوح إسحاقات، للتحضير لبرنامج اليوم الذي أصبح عادة المدينة الأسبوعية للقاء رئيس وزرائها، كي يستمع لهموم ناسها ومطالبهم.
لم يكن الهدوء الغريب الذي يرين على العاصمة في تلك الساعات، مثيرا للشبهة، كان شبهة بذاتها، فالبلاد التي يصحو أهلوها ويستيقظون على أحاديث السياسة، كانت أساسا تخوض تشابكات معقدة، تعبث بالمنطقة العربية وتؤرقها، محاولة بكل عقلانيتها؛ النجاة من الأمواج العاتية التي تريد وضعها على كف عفريت.
حين وصلت عقارب الساعة بعد لأي، إلى الحادية عشرة والنصف بالضبط، ارتفعت غمامة سوداء في السماء، يرافقها دوي انفجار مدو دمر أجزاء كبيرة من مبنى الرئاسة، وفيه تعرضت غرفة الرئيس المجالي للدمار.
لم تمر أكثر من عشرين دقيقة على الانفجار، حتى وقع العمانيون في حالة لم يقعوا فيها من قبل، برغم ما مر عليهم من اضطرابات سابقا، ليحدث انفجار ثان في الطابق الارضي لدار الرئاسة.
كان عملا إجراميا مُحكما، وضع العاصمة والبلاد أمام لحظة مريرة، ستظل تحتفظ بتفاصيل قتامتها إلى اليوم.
وكان ذلك أول حادث من نوعه في الأردن. سقط فيه اثنا عشر مواطنا: رئيس الوزراء هزاع المجالي، وكيل وزارة الخارجية زهاء الدين الحمود، مدير السياحة عاصم التاجي، الشيخ جمال عطوي المجالي، ومحمد سلامة المجالي، وجميل خليل المصاروة، وأحمد محي الدين الصريفي، ومصطفى كايد الرواشدة، ومصطفى كايد الأحمد، والصبي صالح عارف إسماعيل، وجرح واحد وأربعون شخصا، ولاحقا توفي إسحاقات متأثرا بجراحه.
جلالة الملك الراحل الحسين بين طلال، أعلن استشهاد المجالي قائلا إنه “أخ وصديق مخلص حميم.. قضى في سبيل خدمة الأردن والعالم العربي.. واستشهد أثناء قيامه بالواجب المقدس”.
شيع الاردنيون الشهداء، وفي الكرك سار في جنازة المجالي آلاف المواطنين الذين وفدوا من كل المناطق، معلنين استنكارهم للجريمة، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد آلمهم هذا الحادث الغادر الذي لم يصدقوا حدوثه في عاصمتهم الوادعة، فكانوا يخرجون محتجين على الجريمة، لكن أبرز احتجاجاتهم كان يوم الاحتفال بالمولد النبوي في الثالث من أيلول (سبتمبر) 1960، حين اتجهوا نحو السفارة المصرية في جبل عمان، للتنديد بالمقتلة، مشيرين بأصابع الاتهام إلى مصر، ورئيسها جمال عبدالناصر، الذي لم يكن على وفاق مع السياسات الأردنية، لكن رجال الأمن منعوهم من التسبب بأي احتكاك مع السفارة أو الاقتراب منها.
لم يكن قتل المجالي بهذه الطريقة، ليقلب الصفحة في تاريخ الاغتيال السياسي في المنطقة العربية التي تغلى على مرجل من التقلبات والتحالفات والوقائع المريرة، وقلة من ساستها كانوا يُعْملون العقل ويقرأون الواقع بهدوء وترو، ليرسموا حركتهم على نوله.
ومن بينهم، كان هزاع المجالي، صوتا عقلانيا واضحا في السياسة العربية، مدركا لتقلباته، وقتامة الحركة في حقل ألغامه. حاول حينها توجيه استراتيجيته لتمكين الأردن من البقاء صامدا في وجه التقلبات، بعيدا عما يعتمل في كواليس الساسة العرب من تجاذبات.
استمد المجالي هذه البصيرة من تجربته في الحياة والعمل العام، فقد ظهرت بوادر ذكائه منذ نعومة أظافره، واحتمى خلال مسيرته بالمعرفة وسعة الاطلاع، ليرى الأمور بأبعادها المختلفة، وهذا ما وظفه في عمله.
لم يكن عنيفا، ففي أول تحرك له حين كان فتى في مدرسة السلط، شكل جماعة مع رفاق المدرسة لمناهضة الانتداب البريطاني وسياساته في البلاد، فتسبب بتفجير مفرقعات، معلنا بذلك احتجاجه ضد الانتداب.
هذه الحادثة، تشير إلى شخصيته الرافضة للعنف، أو التطرف، أو الاستحواذ، وتفصح عن عقلانيته وحنكته في إدارة معاركه، وقد ظهر ذلك خلال تسلمه عدة مناصب، وأثناء مشاركته في المجلس النيابي لأكثر من مرة، برفضه اعتقال أي معارض سياسي.
لم يقف الامر عند ذلك؛ فعمان العاصمة تدين له، حين كان رئيس بلديتها، بتخطيطها الأول، مرسيا أول تخطيط للمدينة، أرسى عبره مفاهيم خدمية لم تكن مسبوقة في البلاد، وجعلت من العاصمة واحدة من أكثر المدن العربية تنظيما وخدمة، وما تزال الميدالية التي منحه إياها الملك الشهيد عبدالله الأول، شاهدا على منجزاته العمانية، والتي يحملها بعده كل أمين للمدينة، اقتداء بما كان عليه من انضباط وقدرة على التخطيط، والتزام بالعمل.
هذه الشخصية التي غلب عليها الجانب الحيوي العملي، ظلت تسعى للارتقاء بالبلاد، للوصول بها إلى ما كان يحلم به من استقلال ومنعة وقوة.
ظل مخلصا للأردن، يريد رؤيته مستقرا وسط موجة تقلبات كانت تعتمل في المنطقة، وتصوغ الوطن العربي لمراحل مقبلة من التخبط والتبدل، التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من ضعف وترد.
رحل هزاع المجالي، وفر قتلته إلى جحيم نسيانهم، لكنه ظل محفوظا في الذاكرة الوطنية، تشهد على ذلك روحه التي تنبض في شوارع عاصمة البلاد، لتخبرنا بقصة الرجل الذي بقي مختلفا عن الآخرين في صياغة طريقته في العمل، حالما بالتغيير والبناء، ليكون الأردن أفضل وأقوى.

انتخابات 2020
27 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock