صحافة عبرية

هكذا تعفي الدولة نفسها من المسؤولية عن قتل الأبرياء

هآرتس

بقلم: شلومو ليكر

في الشهر الماضي نشر في وسائل الاعلام قرار النائبة العامة، الجنرال يفعات تومر يروشالمي، الذي يقول “الجيش الاسرائيلي لن يفتح تحقيق شرطة عسكرية حول موت الصحفية الفلسطينية في جنين”. المبرر الرئيسي هو: “لا يوجد اشتباه بارتكاب امور جنائية”. في “هآرتس” كتب أن سبب آخر هو أنهم في الجيش الاسرائيلي يقدرون بأن التحقيق مع جنود تحت التحذير سيثير خلاف كبير في الجيش وفي المجتمع الاسرائيلي.
من أين ينبع القول بأنه لا يوجد اشتباه بارتكاب عمل جنائي؟ الجهة التي يجب عليها التحقيق في اشتباه ارتكاب عمل جنائي لجندي أو ضابط هي الشرطة العسكرية. القانون والحكم يقولان بأنه لا يوجد اشتباه بارتكاب اعمال جنائية اذا كان العمل أو الفشل الذي أدى الى الضرر – بالنسبة لنا، موت الصحفية شيرين أبو عاقلة – كان مرتبط بشكل ما بـ “نشاط حربي”. مع مرور الوقت توسع تعريف النشاط الحربي لاسباب سياسية وشعبوية، والآن هو يسري تقريبا على أي نشاط لقوات الامن في المناطق، وضمن ذلك الاهمال وخرق اوامر فتح النار.
مع ذلك، حتى الآن لم يسن في قانون أو بحكم أن اطلاق النار المتعمد من اجل قتل انسان بريء لا يعتبر مخالفة جنائية. بناء على ذلك، يفهم من بيان النائبة العامة، ومن تصريح رئيس الاركان افيف كوخافي بعد ذلك، بأن اطلاق النار الذي أدى الى قتل أبو عاقلة، حتى لو كان مصدره قوات الامن (الحقيقة التي لم يتم نفيها حتى الآن)، حدث اثناء “نشاط حربي” وليس بقصد التسبب بموتها. واذا كان الامر هكذا فانه لم يتم ارتكاب أي مخالفة جنائية.
بشكل مخالف تماما للقرار بشأن الصحفية المقدرة والمشهورة والتي تحمل الجنسية الاميركية، فان اطلاق النار الذي أدى الى موت احمد مناصرة، الطالب الفلسطيني ابن 22 سنة، والى اصابة علاء جياده اصابة بالغة وهو عامل البلاط وأب لعائلة ابن 39 سنة، فان اطلاق النار يتم الآن التحقيق فيه في الشرطة. وخلافا للعادة، عندما ضربت قوات الامن “غير المتورطين” فقد تم استجواب الجندي بشكل كامل وفي نهاية التحقيق معه ارسل القائد في حينه، اللواء شارون افيك، لائحة اتهام شديدة نسبيا الى محامي الجندي الذي اطلق النار (الجندي ط.أ، الذي اسمه ما زال سريا بناء على أمر من المحكمة العسكرية)، واتهمه فيها بقتل مناصرة والتسبب باصابة جيادة اصابة بالغة في ظروف مشددة. هذا كما يبدو مع الاخذ في الحسبان الظروف الصعبة بشكل خاص للحادثة التي كانت كالتالي:
في ليلة باردة في ساعة متأخرة في الليل في 20/3/2019، اوقف علاء جيادة سيارته على مفترق طرق النشاش – المخرج الجنوبي لبيت لحم وفيه تمر ايضا سيارات من مستوطنة افرات. بجانبه كانت تجلس زوجته ميساء وفي الخلف جلست البنتان في اعمار الثامنة والخامسة. علاء نزل من السيارة كي يطلب معلومات من سائق فلسطيني صدم سيارته على مفترق آخر. السائق سارع الى الهرب من هناك. بعد بضع ثوان عاد علاء الى سيارته، لكن في الوقت الذي فتح فيه الباب تم اطلاق ست رصاصات عليه من موقع محصن للجيش الاسرائيلي، الذي يشرف على المفترق. الرصاصة الاولى اصابت بطنه والرصاصات الاخرى اصابت ابواب السيارة ومقدمة السيارة. لم يسمع أي نداء أو اطلاق تحذير من الموقع العسكري الذي يبعد نحو 20 متر عن السيارة، التي توقفت على الاشارة الضوئية على المفترق المضاء جيدا بمصابيح الشارع.
ميساء نزلت من السيارة وطلبت المساعدة. بعد دقيقة وصل الى المفترق جيب من نوع كيا سبورتاج وفيه اربعة شباب من سكان وادي فوكين، الذين كانوا في طريق عودتهم الى البيت من حفل زفاف في بيت لحم. عندما لاحظوا ميساء وعلاء المصاب هبوا للمساعدة. ثلاثة منهم قاموا بامساك علاء وجروه الى الجيب ونقلوه الى المستشفى القريب في بيت لحم. احمد مناصرة ركب سيارة علاء وحاول تشغيلها كي يخرج ميساء والبنات من منطقة النيران. السيارة لم تعمل وتم اطلاق المزيد من الرصاص من الموقع العسكري. احمد نزل من السيارة وبدأ يهرب من المفترق وركض نحو الخضر – بيت لحم. الرقيب ط.أ، مدرب رماية، استمر في اطلاق النار عليه واصابه بذراعه. احمد نجح في الاختباء وراء مكعب اسمنتي على جانب الشارع، على بعد نحو 60 متر عن الموقع العسكري. ولكن عندما برز من المخبأ وجه نحوه ط.أ اطلاق دقيق: هذا الاطلاق اصاب صدره في الجهة اليسرى وهشم قلبه. احمد توفي على الوفر. الرقيب ط.أ اعترف في التحقيق معه بأنه وجه اطلاق النار الى مركز جسم احمد من اجل قتله.
في تحقيق الشرطة العسكرية تم اخذ 36 شهادة، وتم فحص فيلم لكاميرا حماية، وتمت اعادة تمثيل وفحص نتائج التشخيص. في اعقاب النتائج تم اعداد لائحة اتهام بتوقيع النائب العام اتهم فيها ط.أ بعدة مخالفات، منها التسبب باضرار شديدة في ظروف مشددة بسبب اطلاق النار على علاء، والقتل باستخفاف وتدمير أدلة. يشار الى أن لائحة الاتهام التي قدمت ضد ط.أ في نهاية المطاف وصفت اطلاق النار على احمد بقتل متعمد (اطلاق موجه لقتل شخص هارب ولم يشكل أي خطر على حياة أحد). ورغم كل الدلائل في تحقيقات الشرطة العسكرية، من ضمنها توثيق الحادثة بكاميرا الحماية، إلا أن الرقيب ط.أ قال إنه اطلق النار لأنه شاهد علاء وهو يرشق الحجارة على سيارات اسرائيلية من افرات كانت تمر على الشارع، وحتى أنه وصف اصابة احدى السيارات، هذا خلافا لجميع شهادات الجنود الآخرين الذين شهدوا بأنه لم تمر من هناك أي سيارة ولم يكن أي رشق للحجارة. من تحليل فيلم كاميرا الحماية الذي اجراه المتخصص بالجريمة، الدكتور اريئيل لفني، تبين بوضوح أنه لم يكن أي نداء تحذير، وأنه لم يتم رشق الحجارة ولم تمر أي سيارة اثناء اطلاق النار.
لقد كان لـ ط.أ الحق في جلسة استماع وتم تعيين محاميين له، وهما محاميان كبيران سابقان في النيابة العسكرية، العقيد ران كوهين والعقيد شلومو تسيبوري. الاستماع استمر نحو ستة اشهر أمام النائب العسكري العام وكبار جهاز النيابة العسكرية، وفيه قدم للنائب العام افيك ورئيس الاركان كوخافي 40 رأي خبير، جميعها لضباط كبار في الاحتياط. من بين الذين قدموا الآراء كان وزير الدفاع ورئيس الاركان السابق موشيه يعلون، ونائب رئيس الاركان السابق الجنرال احتياط يئير غولان، وعدد من الجنرالات في الاحتياط ومن بينهم قادة للمنطقة الوسطى (المسؤول الاول في مناطق الضفة الغربية)، شمني ومزراحي والون ونوما.
جميعهم كتبوا أن قتل احمد واصابة علاء باصابة خطيرة، كان بـ “حسن نية”، بسبب خطأ أو اهمال اثناء نشاط عملياتي. وبناء على ذلك “لا يجب أن ننسب للجندي مخالفة جنائية… ولا يجب أن نعتبره مجرما” (قال يئير غولان). روني نوما كتب “من ناحية الجندي فقد تبلور فهم بأنه كان هناك خطر على حياة المسافرين في السيارات (كما قلنا لم يكن هناك أي سيارات اثناء اطلاق النار)، وأن الجندي نفذ اجراء اعتقال مشبوه (خلافا لكل الشواهد في ملف الشرطة العسكرية وفيلم كاميرا الحماية)”.
الضباط الكبار الذين قالوا بأنهم اطلعوا على مواد البينات، وصفوا حادثة مختلفة كليا عما وصفه الجنود وشهود العيان، وتختلف كليا عما شوهد في فيلم كاميرا الحماية، وتختلف كليا عما يظهر من اعادة التمثيل وافادات المتهم نفسه. ولكن هذا التجند كان يكفي لردع النائب العام عن تقديم لائحة اتهام استنادا الى الأدلة التي تم اخذها في تحقيقات الشرطة العسكرية. في نهاية الاستماع تم التوقيع على صفقة ادعاء وتم تقديم لائحة اتهام. وقد حذفت منها تهمة اطلاق النار على علاء واعدام احمد اعتبر “التسبب بالموت بالاهمال”، رغم أن ط.أ اعترف في التحقيق معه بأن اطلاق النار على احمد الهارب تم بهدف قتله.
ما يثير الاستغراب هو أن لائحة الاتهام تصف حقا عملية قتل متعمدة مع سبق الاصرار: “القتيل ابتعد عن المفترق باتجاه الخضر. المتهم واصل اطلاق النار عليه، بما في ذلك وسط جسم القتيل… نتيجة اطلاق النار اصيب القتيل في الصدر وفي ذراعيه، وبعد وقت قصير تقرر موته”. في لائحة الاتهام التي قدمت بناء على رأي النائب العام افيك، الذي اصبح مرشح لمنصب قاض في المحكمة العليا، لا يوجد أي تناسب بين تفاصيل الحادثة وبند الاتهام.
بعد تسلمي مواد الأدلة توجهت الى الجنرالات في الاحتياط، غولان ونوما، وطلبت منهما اعادة النظر في موقفهما. ولكنهما لم يستجيبا، رغم أنني وجهتهما لشهادات الجنود التي تناقض وصف الحادثة الذي جاء في رسائلهما. أي أنه لم يكن هناك أي رشق حجارة ولم تمر سيارات اثناء النار وأن اطلاق النار نفسه خرق اوامر فتح النار.
على سبيل المثال شهدت جندية في وحدة فيما يتعلق باطلاق النار على علاء: “سمعت صوت خمس رصاصات متتالية، تقريبا مثل صلية، أنا لا اعتقد أنه كانت هناك اجراءات لاعتقال مشبوه لأنني لم اسمع أي صراخ يأمر المتهم بالتوقف…”. بعد ذلك، فيما يتعلق باطلاق النار على احمد: “سمعت ست – سبع رصاصات على مسافة زمنية قصيرة. ايضا هذه المرة لم اسمع صراخ على المشبوه أو أي مرحلة اخرى من مراحل اعتقال مشبوه… لو أنه صرخ لكنت سمعته”.
بخصوص محادثتها مع ط.أ قبل بضع دقائق على اطلاق النار قالت: “هو كان يبدو وكأنه يريد استخدام السلاح. لقد قال بأنه مستعد لاطلاق النار، في حالة اذا جاء أحد فانه سيقوم باطلاق النار عليه وسيسقط رأسه… لقد اكثر من القول بأنه يريد قتل عرب… هو طوال الوقت يتلفظ بكل انواع الاقوال عن العرب مثل سأطلق النار عليه، سأعالجه”.
لقد شهد ايضا ضابط مظلات تواجد في المفترق اثناء اطلاق النار: “شخصت صوت اطلاق نار من الموقع العسكري، لم ألاحظ أي رشق للحجارة… عندما وقفت على الاشارة الضوئية بسيارتي سمعت الصلية الثانية وفي نفس الوقت شاهدت شخص يركض نحو القرية”. ايضا سائق سيارة الوحدة الذي كان يقف على المفترق اثناء الحادثة شهد: “سمعت اطلاق نار، اصبنا بالذعر. لم اشاهد أي أحد يهدد… اثناء اطلاق النار لم تمر أي سيارات في المفترق”. وحسب الشهادات كان هنا اطلاق متعمد لاجل قتل ابرياء، وضمن ذلك شهادة ط.أ نفسه، التي جاء فيها بأنه قرر اعدام احمد اثناء الهرب نحو بيت لحم، ورغم ذلك تجند 40 ضابط كبير في الجيش، من بينهم رئيس اركان ونائب رئيس اركان و11 جنرال في الاحتياط، من اجل منع تقديم الجندي للمحاكمة لأنه حسب رأيهم المهني لم يتم ارتكاب مخالفة جنائية هنا.
مؤخرا نشرت تحقيقات لشبكة “سي.ان.ان” و”واشنطن بوست”، بحسبها الصحفية شيرين أبو عاقلة قتلت بنار متعمدة لجندي في الجيش الاسرائيلي. رئيس الاركان كوخافي قال إن الموضوع تم التحقيق فيه في تحقيق عملياتي – الذي هو سري بطبيعته – وأنه لم يكن هناك اطلاق نار من اجل القتل. المدعية العامة العسكرية اعلنت بأنه لن يكون أي تحقيق شرطة عسكرية (الذي هو غير سري) لأنه لا يوجد اشتباه بارتكاب مخالفات جنائية. هل حقا لا يخطر بالبال أن أبو عاقلة اطلقت عليها النار بشكل متعمد؟.
في السنوات الاربع الاخيرة منذ أن تم تقديم اليئور ازاريا للمحاكمة في 2016 والى أن قدم الرقيب ط.أ للمحاكمة لم يتم تقديم أي شخص من قوات الامن للمحاكمة في اعقاب قتل أو اصابة ابرياء/ اشخاص غير متورطين. من هنا نحن ندرك بأنه “لم يتم العثور على اشتباه بارتكاب اعمال اجرامية، في عشرات وربما مئات حالات اطلاق النار على فلسطينيين غير متورطين”. موقف قادة الجيش الكبار في قضية ط.أ هو اشارة على المزاج السائد في الجيش في كل ما يتعلق بالسلوك ازاء الفلسطينيين. وسلوك الجهاز العسكري كله في هذه القضية يدل الى أي درجة هذا الموقف هو موقف غير جدير بالثقة ويحتاج الى تحقيق خارجي وموضوعي.
التعديل رقم 4 لقانون المتضررين المدنيين (مسؤولية الدولة) دخل الى حيز التنفيذ في 2002، وهدفه كان منع امكانية تقديم دعوى ضد قوات الامن التي تعمل في المناطق بسبب اضرار جسدية واضرار ممتلكات وقعت على سكان المنطقة. المبادرة لهذا التشريع، التي عملت بتصميم وتفاني من اجل سنه، هي المستشارة القانونية الحالية غالي بهراف – ميارا، عندما كانت تشغل مناصب رفيعة في النيابة العامة في لواء تل ابيب. تعديل القانون نص على تعريف واسع، تقريبا غير نهائي، لمصطلح “نشاط حربي”. المحاكم على جميع المستويات، بما في ذلك المحكمة العليا، اضافت حجم آخر لهذا التعريف. والنتيجة هي أنه فعليا أي نشاط أو عمل للجيش الاسرائيلي أو لقوات الشرطة على انواعها، حتى لو كانت هذه الاعمال استخفافية وعلى حدود الاجرام، تعتبر نشاط حربي والدولة معفية من المسؤولية عن الاضرار.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock