أفكار ومواقف

هل اتفاقية الغاز مجرد شأن قانوني؟

يبدو مشهد مناقشة اتفاقية الغاز في مجلس النواب الأسبوع الماضي سورياليا بعض الشيء. فبعد مناقشة حامية الوطيس أظهرت بوضوح رفضا نيابيا واسعا لهذه الاتفاقية، وهو رفض يعكس المعارضة الشعبية العارمة لها، انتهى المشهد بقرار الحكومة تحويل الموضوع للمحكمة الدستورية لتقرر فيما اذا كان على الحكومة عرض الاتفاقية على مجلس النواب ام لا. هناك أسئلة كثيرة من الواجب طرحها، وقد طرحت مرارا، حتى لا يتم تسويف القضية بمناقشات قد يكون ظاهرها قانونيا بينما هدفها الحقيقي —لا سمح الله— الاستمرار في اتفاقية ستؤثر مباشرة على الامن القومي الأردني.
هناك أولا السؤال السياسي ويتعلق بالحكمة من وراء توقيع اتفاقية مع دولة اصبح من الواضح انها تعمل ضدنا لتنفيذ مشروع صفقة القرن ضد المصلحتين الأردنية والفلسطينية. اذا كانت المعارضة لهذه الصفقة على هذه الدرجة من القوة اليوم، فكيف ستغدو في المستقبل القريب بعد ان تعلن صفقة القرن وتستمر إسرائيل في ممارساتها في القدس وايضا لمحاولة تهجير الشعب الفلسطيني بكل الوسائل لمنع قيام دولة فلسطينية على التراب الفلسطيني؟ هل تعتقد اي حكومة ان بالامكان الاستمرار في الاتفاقية لمدة خمسة عشر عاما تحت هذه الظروف؟ لماذا هذا التعنت؟ وهل الضغوطات الأميركية التي كان لها بدون شك اثر كبير في توقيع هذه الاتفاقية أقوى من تعريض الامن القومي الأردني للخطر؟
هناك السؤال الاقتصادي لمن لا تقنعه الحجة السياسية. هل حقا نوفر مبالغ مالية جراء الاتفاقية ونحن لم نطلع عليها أصلا؟ وهل الافتراضات التي وضعت لثمن الغاز تصمد لخمسة عشر عاما امام انخفاض أسعار الطاقة بسبب توفر مصادر الطاقة البديلة؟ وكيف نقرأ هذه الأرقام الاقتصادية ونحن نعلن ان لدينا طاقة إضافية نستطيع بيعها لدول الجوار؟
وهناك السؤال الذي لم يجب عليه احد لغاية الآن. لماذا تبقى بنود الاتفاقية سرية ان لم يكن لدينا ما نخفيه؟ وهل يجوز أصلا ابقاء مثل هذه الاتفاقية سرية في بلد ندعي فيه اعلاء قيم الشفافية وسيادة القانون؟ وكيف يتم اخفاء هذه الاتفاقية عن اعلى سلطة تشريعية في البلاد حتى وان أصدرت المحكمة الدستورية حكما بعدم وجوب عرضها على المجلس؟ وهل يجوز للحكومة، اي حكومة، ان تقبل بشرط جزائي مقداره مليار ونصف من الدولارات في حال إلغاء الاتفاقية، ونحن لا نعرف بعد حتى ان كان هذا الشرط موجودا؟ وهل يجوز ان لا تتساءل الحكومة عن كيفية القبول بهذا الشرط؟ وان كانت الاتفاقية موقعة بكفالة الحكومة، الا يستدعي ذلك تحميل الخزينة أموالا وبالتالي من حق وواجب مجلس النواب حق مناقشة الاتفاقية؟
أسئلة كثيرة على بال المواطن الأردني اليوم، ولكن ما يمكن الجزم به ان الموضوع لا يمكن اختزاله بسؤال المحكمة الدستورية عن ضرورة عرض الموضوع على مجلس الأمة ام لا. موقف رئيس مجلس النواب كان واضحا من ان الاتفاقية مرفوضة شعبيا ونيابيا بغض النظر عن رأي المحكمة الدستورية.
قد تكون هناك محاولات للدخول في مناقشات قانونية تهدف الى تمييع الموضوع والاستمرار في الاتفاقية، وهي محاولات تذكرني بالصمت الحكومي القاتل الذي لم يشرح للناس بعد ان كانت هناك اي إجراءات لوضع قرار جلالة الملك عدم تجديد اتفاقية الباقورة والغمر موضع التنفيذ. ولكن هذه المحاولات ستجد صعوبة بالغة في تمريرها على الناس حاضرا او مستقبلا. تصنع الحكومة خيرا ان ادركت ذلك ولم تحاول اختزال الموضوع بتغليف قانوني يتجاهل كل النواحي الاخرى، وبادرت الى إلغاء الاتفاقية من جراء نفسها، لأن تحصين الجبهة الداخلية اليوم لا تعلوه اولوية اخرى. إلغاء الاتفاقية بات اليوم إحدى وسائل الرد على المحاولات الأميركية-الاسرائيلية لتمرير صفقة القرن.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock