أفكار ومواقف

هل الأسد ملك الغابة فعلا؟

بدأت منتصف هذا الشهر العروض السينمائية في مختلف انحاء العالم للنسخة الجديدة من فيلم الصور المتحركة (الملك الاسد) الذي صدر بنسخته الاولى في العام 1994 عن شركة والت ديزني وحقق اعلى ايراد في ذلك الوقت، بعيدا عن القيمة الفنية لهذا العمل السينمائي فإنه يقدم بداية لجيل جديد من صناعة الافلام المتحركة ينتقل من صناعة (الانميشين) إلى ما يسمى (محاكاة الواقع) بكل ما يحمله هذا النمط من الانتاج من دقة متناهية في الصور والحركة، والدمج بين الصور المتحركة والحياة الواقعية.
هذا التحول اثار غضب العديد من النقاد الذين وصفوا العمل الجديد بأنه يضحي بالرسوم المتحركة المرسومة باليد، مقابل استخدام مفرط لتكنولوجيا الرسوم المتحركة الحالية لإقناع الجمهور أنه يشاهد شيئا حقيقيا؛ إلى هذا الوقت لا نعرف كيف ستكون ردود فعل الجمهور على هذا الجيل من الافلام، فيما الردود الاولية تؤكد بأن الفيلم نجح تقنيا وقدم صورا ومشاهد مبهرة وسيضع هذا النوع من الافلام امام مرحلة جديدة واستثمارات كبيرة.
ربع قرن مر على انتاج هذه القصة على شكل فيلم كرتوني لأول مرة؛ ما يعني ان جيل الاطفال الذي شاهد النسخة الاولى في سنوات ما بعد منتصف التسعينيات اصبح في سوق العمل حاليا او سينتقل قريبا إلى هناك؛ ما يفترض ان بعضهم ربما يدرك اليوم كيف تغير الافكار الكبرى والابتكارات الثقافية حياة المجتمعات، فـ(الاسد الملك) انجح فيلم في صناعة افلام الكرتون المتحركة الطويلة وحقق الفيلم الاول نحو مليار دولار في حين كانت ميزانيته لا تتجاوز 45 مليون دولار، ومن المتوقع ان الفيلم الجديد سيكون بداية تدشين عصر سينما (محاكاة الواقع) وهو يستند في الاصل إلى الفكرة؛ اي الابتكار في المعاني والسرد واستثمار تراث الشعوب واعادة سرده على شكل رواية متخيلة.
لا احد يملك اليقين بالفعل ان الاسد ملك الغابة بالفعل وسيدها، فالقوة والقدرة على حماية القطيع ليست ادلة كافية على مكانة هذا الحيوان المفترس وسط مجتمعات الحيوان التي افترضنا انها تشكل ممالك ولديها نظم دقيقة في ادارة السلطة ! هذه الاسقاطات الانسانية المتخيلة والمتوارثة عبر الاجيال والثقافات تتحول إلى صناعة تكدس الاموال وتعد العنصر الاساسي في رأس مال هذا النمط من الصناعات الذي بات ينافس الصناعات الكبرى مثل الغذاء والدواء والسلاح.
الابتكارات الثقافية شكلت موردا ثقافيا مهما في آخر عقدين، وهي مرشحة ان تشكل المورد الاول في العقدين القادمين ؛ ابرز مصادر الابتكارات الثقافية تتمثل في تراث الشعوب وثقافاتها وفي تراث الطبيعة، ولعل الثقافة العربية واحدة من اكثر الثقافات الانسانية ثراءً كما هو الحال في غنى التراث الطبيعي في العالم العربي ومثال ذلك ما يمثله تراث الطبيعة في الأردن الذي يعد تراثا بكرا يملك امكانيات مذهلة لسلسلة طويلة من الابتكارات الثقافية التي يمكن ان تستثمر في اشكال مختلفة من الصناعات الثقافية مثل الصناعة السينمائية وصناعة الالعاب الجديدة والتطبيقات الرقمية وغيرها.
الاجيال الجديدة من الشباب بحاجة اليوم إلى كسر نمط التفكير في انشغالات المستقبل وسط الضجيج التقليدي حول الريادة والمشاريع الصغيرة والناشئة والانتباه إلى انشغالات العالم من حولنا وكيف تتحول الابتكارات الثقافية الجديدة إلى مورد اساسي في صناعة المستقبل وتحديدا في مجتمعات تنعم بنعمة تراث غير مستغل وطبيعة لم يجرب بها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock