فكر وأديان

هل الدين ابتداع بشري؟

د. هاشم غرايبة

بحثت عن أصل فكرة أن الدين هو من اختراع المصلحين، وأن هؤلاء نسبوه الى الله لإقناع البسطاء به وإكسابه قدسية، فلم أجد لها أصلا معتمدا كمرجعية، رغم أنها الفكرة الشائعة بلا منازع بين عامة مفكري الغرب.
كيف إذا أصبحت مفهوما متفقا عليه بين فلاسفة الغرب ومفكريه، وبالتالي اعتمده المثقفون العرب العلمانيون بلا نقاش؟. لا شك أن العقل البشري المحايد يميل الى التدين والإيمان، فيما تميل النفس الغرائزية الى التحلل من القيود الضابطة التي يفرضها التدين على السلوك، وبين الخضوع لسلطان العقل أو الميل للشهوات يتموضع كل البشر، وبناء عليه ينقسمون الى مؤمنين أو كافرين، أو حائرين بين هؤلاء وأولئك لا يهتدون سبيلا. لقد وجد الباحثون في علم النفس أن هنالك دوافع فُطِرَ عليها البشر، لأجل تلبية الحاجات الأساسية، فبعد إشباع حاجة حب البقاء أولا والحفاظ على النوع ثانيا، تأتي حاجة البحث عن الخالق. الملحدون الذين ينكرون وجود خالق، يعتبرون الحاجة الثالثة ترفا فكريا، لذلك يعتقدون أن الإنسان ابتدع فكرة وجود خالق ليشبع تلك الحاجة، وبالتالي جاء المصلحون وادعوا أن الخالق هو الذي أوحى لهم بالدين. بطبيعة الحال، كل الملحدين أو اللاأدريين من العلماء يؤمنون بهذه الفكرة، واللافت أنهم لا يتقبلون أية نظرية إلا ببراهين وأدلة مادية، ماعدا هذه الفكرة، فهم يعتمدونها بلا إخضاع للتقييم البحثي أو المنطق الفلسفي، رغم أنه ليس هنالك من استطاع أن يقدم دليلا واحدا على صحتها، بل على العكس، فهنالك آلاف الدلائل المنطقية التي تثبت وجود خالق، وأن الدين من عنده.
بناء على ضعف حجة هؤلاء، فالملحدون قلة ضئيلة، لكن المشكلة بوجود مؤمنين بالله كثيرين، لكنهم لا يؤمنون بأن الدين من عنده، بل من ابتداع البشر.
تعود جذور هذه الظاهرة الى اعتماد المسيحية عقيدة بديلة للوثنية في عهد قسطنطين، والتي كانت في حقيقتها توفيقا بين المعتقدين، ولذلك أسس الكنيسة كمؤسسة سياسية يمكنه من خلالها إدارة العقيدة، وجعلها ديانة لكي تكون بديلا عن الدين الإسلامي الذي جاء حاويا لكل العقائد السابقة، باعتباره الصورة المتكاملة للدين الإلهي. لذلك كان الأساس في أوروبا إنكار انتساب الإسلام والقرآن الى الإله ذاته الذي أنزل التوراة والإنجيل.
هذا هو أصل إنكار انتساب الدين الى الله، لذلك ظلت الثقافية الأوروبية المسيحية تحمل في عصورها الوسيطة صورا عن الإسلام تعيدها وتكررها كل مرة، صورا متعالية، تحط من قدر الإسلام ونبيه وكتابه، وترى فيه نتاجا لشرق مستبد بدائي صحراوي النزعة، لا علاقة له بالحضارة.
إن الدراسة النقدية العميقة للتصورات المختلفة التي رسمها الغرب المسيحي في تفكيره حول الشرق، والشرق الإسلامي خاصة، تجد جذورها دائماً، وبشكل مثير، في إرث فلسفي ولاهوتي عتيق وقاتم، قائم في الجوهر على إفتراضات ذاتية مؤسسة عن سبق إصرار بدورها على بعض المعلومات الإنتقائية دائماً والشوهاء غالباً.
فعندما بدأ “عصر التنوير” بفلاسفة الثورة الفرنسية، ظلت أفكارهم الإصلاحية الفلسفية متأثرة بهذه الحالة، فقد رأينا “مونتسيكيو” في كتابه “روح القوانين” وإن اعترف بالإسلام إلا انه قدمه كدين استبدادي وربط بينه وبين المناخ الذي يؤثر على أتباع كل دين. ولم تتغير نظرة مونتسيكيو للإسلام فهو رغم نقده للمسيحية كعقيدة روحية وللكنيسة، ظل في الجوهر مخلصا أشد الإخلاص لتربيته المسيحية وللأفكار التقليدية التي بلورها وصنعها الغرب المسيحي لنفسه طوال القرون الوسطى والمتمركزة حول الرفض الصريح للإسلام.
وعندما جاء على خطاهم شيخ فلاسفة المادية “هيجل” بفكرة أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي، كتب يقول: ” إن الدين عبارة عن تجل للمطلق في إطار الفكر التصوري للحظات الثلاث، والخلق حدث بالفعل في يوم مجهول من أيام الماضي، والدين حالة ضرورية للروح في ملازمة العقل ضمن تطورهما الجدلي ويعني هذا أن وجوده ليس بالصدفة وإنما هو عمل ضروري من أعمال العقل”.
كما رأى “انجلز” و”فيورباخ” أن المسيحية جاءت تعبيرا عن الصراع الطبقي وتمردا على الفوارق الطبقية، لكن الإمبراطورية الرومانية في زمن قسطنطين وظفتها لخدمة الاقطاع فنشأت من ذلك الإمبريالية. إلا أن “فيورباخ” انقلب على الإرث الهيجلي في التوفيق بين المعتقدات اللاهوتية والعقل، ودعا الى تدمير جميع الالتزامات الدينية وتشجيع الكراهية الشديدة تجاه الله، ورأى أن كل المؤسسات الدينية يجب استئصالها من الأرض، وبالطبع، كان يقصد الكنيسة بذلك إذ أنه لا يعترف بالإسلام دينا، كما سار على خطاه ماركس ذو المنبت اليهودي في عدائه للكنيسة، لتتأسس الماركسية اللينينية الالحادية كأساس للفكرة الشيوعية.
ورغم أن الباحث في الفلسفة الغربية الدكتور حسين هنداوي يقول في كتابه “فلاسفة التنوير والإسلام” : “لم يكن مفكرو التنوير من مونتسيكيو وفولتير وروسو إلى غوتة وهيجل منقطعين عن الإسلام ولا يعرفونه، بل كان الإسلام حاضرا في حياتهم وموجودا فعلا”، إلا أننا نلاحظ كيف كان كل فلاسفة الغرب مأسورين للفكرة الغربية برفض الإسلام من حيث المبدأ، ولم يبذلوا جهدا في البحث فيه من خلال مفكريه، بل من خلال ما كتبه المستشرقون التبشيريون عنه. هكذا نتوصل إلى أن الدوافع لرفض انتساب الدين لله، لم تكن نتيجة بحث فلسفي أو منطقي بل هو رفض مسبق لفكر الآخر (الشرق الإسلامي)، الذي وضع كخصم يعامل منتجه الفكري بالتشكيك المسبق، على الرغم من أن فلسفات هذا الخصم (الفارابي والغزالي وابن رشد وابن خلدون ..وغيرهم) ظلت مصدرا للمناهج الجامعية في كل أوروبا الى فترة عصر التنوير وما بعدها، ولا شك أن نظرياتهم شكلت الأسس الفكرية لفلاسفة التنوير.
لذا لا نفع من اقناع من لا يؤمن بوجود الله مكابرة، لأنه لا يخضع لسلطان العقل ولا لحجج المنطق، لكن الذي يؤمن بوجود الله ومع ذلك يُكذب بالدين، فيكفيه القرآن، المثبت أنه كتاب الله المعجزة الباقية حجة دامغة، والذي يؤكد أن الدين واحد، من عند الله الواحد، وليس أديانا مختلفة: “شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” [الشورى:13]، ودائما تأتي لفظة الدين في القرآن بالمفرد، ولم تأت بصيغة (أديان) مطلقاً، والتي ترد في أدبيات مناوئي الدين فقط، لتخدم فكرة أنه منتج بشري متعدد الأنواع، وليس صادرا عن الإله الصمد. وبعد، وإلى أن يتمكن أولئك الذين يقولون ان الدين مخترع بشري، من إثبات مقولتهم، ولن يمكنهم ذلك، فعليهم إن كانوا يتبعون المنهج العلمي (كما يدّعون) أن يتوقفوا عن الإستناد على هذه الفكرة الخرقاء، ومن لا يفعل ذلك، فتنطبق عليه المواصفات الواردة في قوله تعالى: ” وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ” (البقرة:171).

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock