أفكار ومواقف

هل الرضا علامة صحة؟

أعرف العشرات من الأطباء المميزين في مجال اختصاصاتهم، لكنهم لم ينجحوا عندما قرروا خوض غمار العمل في القطاع الخاص. بينما العديد من زملائهم الذين ينقصونهم علماً وخبرةً، سجلوا نجاحات لافتة، وضمنوا لأنفسهم مواقع متقدمة في قطاع الرعاية الصحية.
يعتمد مقدمو خدمة الرعاية الصحية والطبية، من مؤسسات وأطباء، على تكوين رأي عام إيجابي حول مدى رضى المرضى والمراجعين عن أدائهم. ففي سوق مزدحمة بالأسماء والألقاب، يؤدي المريض، ودرجة رضاه عن الطبيب أو المؤسسة، دوراً محوريا في درجة ولائه لهما، وبالتالي لعب دور المُسوّق المجاني لهما.
من هنا، وضعت العديد من الدول هذا العامل على رأس المؤشرات التي تعتمد عليها في تقييم أداء مقدمي الخدمة، وفي دفع الحوافز لهم. مما دفع بهذه المؤسسات إلى مراقبة هذا المؤشر باستمرار، ووضع الخطط التي تهدف إلى تحسينه؛ بل ذهب بعضها إلى الاستعانة بشركات متخصصة لمساعدتها في قياس وتحسين مستوى رضا المرضى.
لكن الجودة والممارسة المستندة إلى الأدلة العلمية، ليسا وحدهما من يحدد مدى رضا المريض عن مقدم الخدمة، بل ما يحدث هو العكس في كثير من الأحيان. فقد خلصت دراسة لافتة أجريت في الولايات المتحدة الأميركية، من خلال مراجعة الآلاف من ملفات المرضى، إلى أن أكثر الناس رضى عن مقدمي الخدمة هم الأكثر دخولا للمستشفيات، والأكثر إنفاقا على أمور الصحة، بل والأكثر من حيث نسبة الوفاة. وهي ما تعتبر من الآثار الجانبية للتركيز غير المبرر على رضا المريض.
فمن أجل إرضاء المريض، يلجأ بعض الأطباء الى تنفيذ رغباته كافة، بما فيها تلك غير المبررة وغير المستندة إلى دليل علمي، من خلال إجراء فحوصات إضافية، ووصف أدوية غير ضرورية، وتجنب مناقشة الأمور التي قد تزعج المريض، حتى وإن كانت مناقشتها ضرورية لصحته؛ مثل التوقف عن التدخين وتعاطي الكحول، وإنقاص الوزن، والتساهل معه في موضوع الحمية الطبية، ومجاملته على حساب الحقيقة: بإعطائه آمالا كاذبة، وإخفاء بعض الحقائق حول وضعه الصحي. وبذلك، تحول هذا المؤشر المهم، من وسيلة للنهوض بجودة الرعاية الصحية، إلى غاية يسعى الجميع إلى تحقيقها، ولو على حساب الحقيقة.
من الأهمية بمكان أن يكون المريض راضيا عن طبيبه ومؤسسته. لكن هذا الرضا يجب أن يكون نابعا من جودة الخدمة التي يقدمها هؤلاء، وليس من كثرة المجاملات وحلاوة اللسان، أو حتى الخداع.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. خداع النفس و الاخرين
    للأسف ينخدع الكثير من المرضى ببعض القشور و يطربون لبعض الكلام المعسول متناسين ان الاهم في علاقتهم مع الطبيب او المؤسسة هو الممارسة الطبية المبنية على العلم .كما يكرة المرضى ان يكون طبيبهم صريحا معهم بالذات في الامور التي تتطلب منهم جهدا او تغييرا في نمط الحياة,فنحن غالبا ما نتواطا مع من يخدعنا و يخدرنا بكلمات توهمنا ان امورنا الى خير كي لا نضطر الى مواجهة الواقع الذي قد يكون مؤلما .نفعل ذلك في الامور الطبية و في كل امور حياتنا حيث نرتاح لمن يعطينا بصيص امل حتى و لو كان سرابا .يستغل بعض الاطباء هذا العامل النفسي فيلعبون على هذا الوتر الحساس بتواطيء منا لكسب المزيد من المرضى و هذا ما يفسر فشل الكثير من الاطباء المميزين في العمل في القطاع الخاص كما ذكر الكاتب .اما في المؤسسات فيجب التركيز على الجوانب التي يمكن تغييرها و البناء عليها لتحسين العمليات الادارية و الطبية .

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock