أفكار ومواقف

هل المشكلة في قانون الانتخاب؟

يبدو أن الحكومة لا يوجد لديها لهذا الوقت رواية واضحة حول مسار الإصلاحات السياسية المتوقعة، وتحديدا تعديلات قانوني الانتخاب والاحزاب، وللدقة ربما القول أن الحكومة لم تحسم امرها في هذا الشأن، وبعيدا عن الروايات الرسمية المتعددة فأن ثمة ثلاثة قوانين بحاجة أن تأخذ صفة الاستعجال وان تذهب ضمن المسار الدستوري للتعديل إذا كان التعديل واردا وبأسرع وقت وهي قوانين الانتخاب والأحزاب واللامركزية والأخير يجب أن ينظر اليه على انه قانون إصلاح سياسي من الدرجة الأولى، فالحسم والاستعجال ضرورة لوجستية قبل أن تكون ضرورة سياسية لان العام القادم سيكون عام انتخابات متعددة ويجب أن تلتفت الدولة إلى ما يحمله من استحقاقات تشريعية في وقت مبكر.
شهد هذا العام 2019 مرور ثلاثة عقود على انطلاق مسار التحول الديمقراطي، وهي مرحلة انتقال سياسي طويلة بالمقارنة بتجارب الانتقال والإصلاح السياسي في جهات عديدة من العالم، وطول هذه المرحلة خلق مشكلات عميقة تنال الثقافة السياسية والتنمية وحتى القيم والثقة العامة والثقافة المجتمعية، خلال هذه المرحلة تم تجريب العديد من النظم الانتخابية، وعلى الرغم من هيمنة نظام الصوت الواحد لاطول فترة في تاريخ الحياة البرلمانية إلا انه تم ايضا تجريب نظم أخرى طبقت في مجتمعات عدة، وتم اختراع أنظمة وهمية لم يعرفها العالم من قبل، وأصيبت العملية الانتخابية بجرح عميق حينما اعترفت حكومات وقادة سياسيون بتزييف الانتخابات.
في المحصلة لم تصل كل الصيغ المتعددة إلى خلق برلمان قوي قادر على إعادة صياغة الحياة السياسية الوطنية وان يشكل مركز الثقل في الحياة العامة ويستعيد التوازن بين المؤسسات الدستورية، وما تزال ثمة مسافة واضحة تفصلنا عن الحكومات البرلمانية التي دعت اليها الأوراق النقاشية الملكية منذ نحو سبع سنوات، علينا ان نطرح السؤال السياسي الأردني اليوم بصيغة أخرى، هل مشكلة استكمال التحول الديمقراطي تكمن في قانون الانتخاب، وهل مشكلة تطوير أداء مجلس النواب ودوره الرقابي يكمن في النظام الانتخابي، إذا ما اخذنا بعين الاعتبار انه بوجود الهيئة المستقلة للانتخاب تحسن مستوى نزاهة الانتخابات بشكل واضح.
هذه النتائج تضعنا مرة اخرى أمام خلاصة كبرى تدفعنا الى تساؤل خارج نطاق قانون الانتخاب ونظام الانتخاب على أهمية حاجة القانون الحالي إلى تعديلات فنية وأخرى جوهرية محدودة ترتبط بالتحول التدريجي لضمان مشاركة فعلية للاحزاب في الحياة البرلمانية أي أن يكون قانون الانتخاب أداة فعلية لتنمية الحياة الحزبية، واخرى ترتبط بسن المرشح فلا يعقل اننا نشهد كل هذا الاهتمام بالشباب بينما هم مغيبون فعليا عن أكبر مؤسسة تمثيلية وطنية وبالتالي عن الحياة السياسية بشكل عام.
ثمة غموض في العلاقة بين النخب المحافظة ومؤسسات الدولة السيادية ونخبها والنخب التي تدور حولها، وبين هياكل الدولة الديمقراطية الناشئة ونخبها أي من يصفون انفسهم بالإصلاحيين ومن يدور حولهم، فمنذ أكثر من عقدين يوجد ممثلون لهياكل الدولة الديمقراطية داخل سلطات الدولة إلى جانب القوى المحافظة، لكن إلى اليوم لا يوجد توافق الحد الأدنى على تعريف الإصلاح السياسي وادواته، ما أدى إلى عدم ترسيخ علاقة واضحة الملامح أي مسار لبناء الثقة المتبادلة، فما يزال طرفا المعادلة يشككان في نوايا ومواقف الطرف الاخر، وكل منهما لا يمنح الطرف الآخر مساحة للمساهمة تخدم استكمال بناء النموذج الديمقراطي.
السؤال السياسي الأردني يدفع إلى التفكير خارج صندوق الانتخاب بالطريقة التي تتشكل فيها قناعات الناس والنخب في مدخلات صناديق الانتخاب ومخرجاتها، وفي الطريقة التي تتشكل فيها القوى الفاعلة في الحياة السياسية كما هو الحال في التفكير في البنى الاجتماعية ومواقفها من الحياة السياسية في المجمل وما أصاب الثقافة السياسية المجتمعية من خراب نتيجة ضعف النخب وسلوكها، السؤال الاهم اليوم خارج صناديق الاقتراع، بل في البحث عن كيمياء سياسية جديدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock