ترجمات

هل تحفز الحرب الروسية تنويع التجارة؟

مايكل سبنس
ميلانو ــ أصبحت فكرة بناء المرونة أشبه بترنيمة تتردد في السنوات الأخيرة، لاسيما خلال جائحة كوفيد 19. لكن العمل على تعزيز الأمن الاقتصادي والنهوض بالتنويع كان وما يزال بطيئا. ومع ذلك، ربما أصبح هذا الوضع على وشك أن يتغير بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وضعت الجهات الاقتصادية الفاعلة في جميع أنحاء العالم ثقة كبيرة ــ ومتزايدة ــ في التزام دولي واسع النطاق بتحقيق اقتصاد عالمي مفتوح نسبيا. وعلى عكس الماضي البعيد، عندما كانت البلدان تخوض الحروب بانتظام لتأمين مصالحها الاقتصادية، لم يقلق صانعو السياسة كثيرا بشأن الحرمان التعسفي أو المدفوع سياسيا من الوصول إلى الموارد أو الأسواق الحيوية. وكانت مخاوفهم تقتصر على قضايا مثل تعرض الاقتصاد لتغير ظروف العرض والطلب، وأحيانا للتقلبات العنيفة في الأسعار.
لكن التوترات، والاحتكاكات، والعقبات التي واجهت سلاسل التوريد العالمية أثناء الجائحة بدأت تُضعف هذه الثقة. فلم تكن الأسعار والأسواق هي المحدد الأساسي لتوزيع اللقاحات. علاوة على ذلك، أقامت الصين والولايات المتحدة وغيرهما حواجز عالية أمام وصول شركات التكنولوجيا الأجنبية (خاصة منافسيها) إلى الأسواق، متعللين بمخاوف تتعلق بالأمن القومي.
على نطاق أوسع، أصبحت العقوبات الاقتصادية والمالية سلاحا مفضلا للسياسة الخارجية، خاصة في الولايات المتحدة. لذلك فليس من المستغرب أن شكلت العقوبات القسم الأكبر من استجابة الغرب لأزمة أوكرانيا، لا سيما بالنظر إلى احتمال أن تُعامِل روسيا أي تدخل عسكري مباشر من جانب الناتو في أوكرانيا بمثابة إعلان حرب. وعليه، تحركت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على وجه السرعة لعزل البنوك الروسية الكبرى عن المعاملات الدولية من خلال استبعادها من نظام “سويفت” لتبادل الرسائل المالية، وجمدت الآن أصول البنك المركزي الروسي.
مع ترنح الاقتصاد الروسي بالفعل، أصبح من الواضح الآن أن الأمن الاقتصادي لأي بلد يعتمد على علاقاته الأوسع مع شركائه التجاريين، والتي يجب أن تكون موثوقة ويمكن التنبؤ بها بدرجة معقولة. وهذا يثير تحديات خطيرة في الأمد القريب، لا سيما بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي أصبح في وضع لا يحسد عليه بسبب اعتماده الشديد على واردات الطاقة الروسية.
تزود روسيا أوروبا بما يقرب من 40 % من الغاز الطبيعي. والحق أن الخوف من فقدان هذا العرض حد بشكل كبير من استجابة الغرب الاقتصادية لغزو أوكرانيا. على سبيل المثال، أظهرت دول الاتحاد الأوروبي الكبرى في البداية مقاومة لاستبعاد روسيا من نظام سويفت، وعندما اتُخذ القرار، أثر ذلك على بنوك “معينة” فقط.
في الوقت ذاته، تعتمد روسيا على الاتحاد الأوروبي لكي تستمر في بيع غازها. من ثم، لعل أقوى سلاح اقتصادي في ترسانة الغرب هو سلاح لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يستخدمه دون أن يُلحق بنفسه أضرارا جسيمة. والنتيجة أقرب إلى عقيدة “الدمار المتبادل المؤكد”، التي لطالما اعتمد عليها العالم لردع الهجمات النووية.
كما اعترف رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي الأسبوع الماضي، “تُظهر أحداث هذه الأيام أنه كان من الحماقة عدم تنويع المزيد من مصادر طاقتنا وموردينا في العقود الأخيرة”. في الواقع، يبدو أن أوروبا مُحاصرة فيما يتعلق بالطاقة، على الرغم من أن العقوبات غير المتعلقة بالطاقة قاسية بلا شك ولا يزال من الممكن تشديدها. على أي حال، فإن تكاليف أي عقوبات ــ بما في ذلك عزلة روسيا عن الأسواق العالمية وخسارة القدرة على الوصول إلى المنتجات والتكنولوجيا ــ تعتمد في جزء كبير منها على مدى دعم الصين لروسيا.
في الوقت الحالي، سيتعين على القادة الأوروبيين ببساطة التعامل مع ما سيحدث. لكن لكي تعزز البلدان من تأمين نفسها على المدى الطويل في عالم يزداد اضطرابا، ينبغي أن تعمل أيضا على بناء مرونة اقتصادية في استراتيجيات سياستها الخارجية ــ وهذا يتحقق من خلال التنويع.
عندما يتعلق الأمر بالطاقة، يمكن أن تسلك أوروبا نهج اليابان، التي تعتمد أيضا بشكل كامل على الوقود الأحفوري المستورد. حيث تحصل اليابان على النفط من عدة دول في الشرق الأوسط، والغاز الطبيعي في صورة غاز طبيعي مسال من أستراليا وماليزيا وقطر وروسيا والولايات المتحدة وغيرها، مع امتلاك أستراليا أكبر حصة في السوق (27 %). في الواقع، لو كانت مصادر الطاقة في أوروبا أشبه بمصادر طاقة اليابان، لاختلف مردود اللعبة الروسية-الغربية الحالية بما يتيح لأوروبا فرض تكاليف غير متكافئة على روسيا من خلال فرض عقوبات متعلقة بالطاقة.
تزداد قيمة التنويع مع كبر حجم المخاطر غير المترابطة نسبيا التي نواجهها. سيشير بعض المراقبين إلى أن مثل هذا التنويع مكلف، لأسباب ليس أقلها أنه يخفض الكفاءة. لكن في حين أن التكاليف قد لا تكون مجدية في بيئة مستقرة منخفضة المخاطر، إلا أننا لا نعيش في مثل هذه البيئة. ففي عالم اليوم، تتضاءل تكاليف التنويع أمام التكاليف المحتملة ــ بل المرجحة ــ المترتبة على الاضطرابات. وفي ظل وجود مخاطر كبيرة غير مترابطة جزئيا، يمثل التنويع أفضل استراتيجية.
هذا لا ينطبق فقط على الواردات. بالنظر إلى إمكانية قطع الوصول إلى الأسواق ــ تعلمت الصين هذا الدرس عن طريق التجربة خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ــ ينبغي للدول أيضا أن تسعى جاهدة لتنويع أسواق صادراتها. وفي حين أنه من الصعب تحقيق التنويع بعيدا عن اقتصادات كبيرة مثل الولايات المتحدة أو الصين، إلا أنه بإمكان البلدان أن تتحرك في هذا الاتجاه.
بطبيعة الحال، تتمثل الضرورة الأكثر إلحاحا في التنويع بعيدا عن الشركاء التجاريين الذين لا يمكن التنبؤ بسلوكهم. فالشركاء الذين جرى الاتفاق معهم بوضوح على قواعد المشاركة ويُرجح أن يحافظوا على استقرار هذه القواعد يشكلون مخاطر أقل بكثير، مما يقلل من فوائد التنويع. ومع ذلك، ينبغي للبلدان أن تتجنب الاعتماد المفرط على أي شريك بعينه، مهما بلغ من الاستقرار، لأسباب ليس أقلها ارتفاع مخاطر الاضطرابات المرتبطة بتغير المناخ.
جدير بالملاحظة أنه من غير المرجح أن يظهر المستوى الضروري من التنويع ــ أي المستوى الذي يعزز الأمن الاقتصادي للبلاد وموقفها التفاوضي في حالة حدوث أزمة ــ باعتباره نتيجة سوقية بحتة، لأن الفوائد الاقتصادية والاستراتيجية للتنويع لا تُجنى بالكامل من قبل المشاركين في السوق. وعلى الرغم من أن المشاركين في السوق يدركون المخاطر ولن يرفضوا تنويع الأسواق ومصادر العرض تماما، فمن المحتمل أنهم لن يمضوا قدما بما فيه الكفاية في هذا الاتجاه.
في ضوء ما سبق، لا بد أن تلعب السياسة العامة والتنسيق الدولي دورا مهما في دفع هذه العملية إلى الأمام. لحسن الحظ، ثمة حافز قوي لدى صانعي السياسات في الوقت الحالي لاتخاذ الخطوات اللازمة. لكن يبقى أن نرى ما إذا كان شعورهم بالإلحاح سيستمر، أم يتلاشى مع انخفاض مستويات التهديد المتوقع.

*مايكل سبنس حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وهو أستاذ فخري في جامعة ستانفورد، وكبير زملاء معهد هوفر.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock