أفكار ومواقف

هل تصح المقارنة؟

هل تصح المقارنة بين الحالة الأردنية وبلدان جوار مثل العراق ولبنان؟
البعض منا تجاوز المقارنة وذهب إلى حد استدعاء النموذجين أردنيا.
يعاني الأردن من اوضاع اقتصادية صعبة، تأخذ أشكالا متعددة، أبرزها فقر وبطالة وغلاء معيشة وتعقيدات داخلية وخارجية تحد من قدرة صناعته وتجارته على المنافسة، ناهيك عن فاتورة الطاقة الثقيلة، وتراجع قدرة المؤسسات على كسب الثقة العامة.
لكن على امتداد الخريطة العالمية هناك دول كثيرة مثل الأردن أكثر ديمقراطية منا تواجه نفس التحديات وأكثر. الاقتصاد أصبح المحرك الأساسي للأزمات في مختلف الدول، وموجة السياسة الشعبوية تضرب أعتى الديمقراطيات في العالم.
النموذجان العراقي واللبناني لا مثيل لهما في العالم وليس في المنطقة فحسب.
العراق تعرض لأضخم عملية نهب في التاريخ الحديث. دولة نفطية غنية مكتملة الأركان تعرضت لغزو انتهى بتقاسم البلاد بين فريقين طائفيين الأول محسوب على الغرب “الأميركي” والثاني على إيران. مئات المليارات تم سرقتها وتهريبها لخارج البلاد.
القوى الطائفية ظلت ممسكة بالحكم وفق صيغة المحاصصة وتحت غطاء ديمقراطي شكلي. القوى المتنفذة والممثلة للطوائف، استثمرت نفوذها وسطوتها للإثراء على حساب أبناء الطوائف العراقيين، وبحماية من مليشيات مسلحة ما تزال تتمتع بحضور كبير في المشهد العراقي حتى يومنا هذا.
العراقيون كما اللبنانيين استعادوا هويتهم الوطنية المهدورة بعد إغراقهم لسنوات طويلة بصراعات طائفية لحساب القوى المتنفذة. الجوع والفساد والاستبداد الطائفي حرك ثورتهم على الواقع المرير.
في لبنان الوضع أكثر تعقيدا فالطائفية هي عماد الحكم وأساسه الدستوري منذ أن نال البلد استقلاله، وتكرس هذا الواقع في اتفاق الطائف. بلد تعرض لأبشع حرب أهلية هجرت اكثر من نصف شعبه بالإضافة لمئات الآلاف من الضحايا. موارد لبنان وأراضيه وممتلكاته تحت سيطرة قوى طائفية متنفذة تتستر خلف عباءات حزبية.
المؤسسات السياسية في لبنان مجرد واجهات طائفية. الكهرباء بيد الأحزاب الطائفية والوظائف والخدمات. الدولة برمتها مجرد خادم للزعامات الطائفية.
الاصلاحات التي عرضها رئيس الوزراء اللبناني على المتظاهرين، كان الأردن قد انجزها منذ سنوات؛ هيئة للنزاهة ومكافحة الفساد، وهيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وإجراءات اقتصادية تقشفية.
في لبنان يكافح الناس من أجل الحصول على الكهرباء لعدة ساعات في اليوم، بينما شبكة الكهرباء في الأردن تغطي كامل مناطق المملكة. وبينما يشكو الناس هناك من عدم قدرتهم على الحصول على تعليم لأبنائهم في المدارس والجامعات الحكومية الخاضعة قسرا لسلطة الزعماء الطائفيين، نخوض في الأردن نقاشا مستمرا لتطوير المناهج والتوسع في رياض الأطفال، ونشكو من تخمة تعاني منها جامعاتنا الحكومية.
ديون لبنان تعادل ثلاثة أضعاف ديون الأردن، والعراق البلد النفطي الغني يغرق بالديون أيضا. أسعار صرف الليرة اللبنانية منهارة تماما أمام الدولار مقارنة مع دينار أردني مستقر ومتين.
في العراق وبمجرد اقتراب المتظاهرين من مقر إحدى المليشيات سقط العشرات قتلى وجرحى، بينما في الأردن يتظاهر المواطنون قبالة الديوان الملكي ورئاسة الحكومة ولا تمس شعرة منهم.
المقارنة ظالمة بحقنا، ومحاولة استدعاء النموذجين مجازفة كبرى بمستقبل بلدنا ودعوة للفوضى ليس أكثر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock