ترجمات

هل تصديق شيء بلا أدلة خاطئ أخلاقيا؟

فرانشيسكو ميخيا أُريبي – (ذا ويك) 16/12/2018*

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ربما لم تكن قد سمعت من قبل بوليام كينغدون كليفورد. فهو ليس في خانة الفلاسفة العظام –ربما لأن حياته كانت قصيرة ورحل بعمر 33 عاما- لكنني لا أستطيع التفكير في أحد آخر يمكن أن تكون أفكاره أكثر صلة بعصرنا الرقمي المتداخل الذي يحركه الذكاء الاصطناعي. وقد يبدو هذا غريبا، بالنظر إلى أننا نتحدث عن رجل من العصر الفكتوري، والذي كان أشهر أعماله الفلسفية مقالة كتبها قبل نحو 150 عاماً. ومع ذلك، التحق الحالي بكليفورد. ولم تعد ادعاءاته التي بدت مبالغا فيها بأن “من الخطأ دائماً، وفي كل مكان، ولأي شخص، الاعتقاد بأي شيء في حال عدم كفاية الأدلة”، لم تعد مبالغات وإنما واقعاً تقنياً.
في مقاله “أخلاقيات الاعتقاد” (1877)، يطرح كليفورد ثلاث حجج حول السبب في أن علينا التزام أخلاقي باتخاذ ما نعتقده بطريقة مسؤولة، بمعنى أن نصدِّق فقط من نمتلك أدلة كافية على حقيقيته، وما نكون قد حققنا فيه بما ينبغي من الجديّة. وتبدأ حجته الأولى بالملاحظة البسيطة: أن معتقداتنا تؤثر على أفعالنا. وسوف يوافق الجميع على أن سلوكنا يتشكل بما نعتبره حقيقة في العالم –بمعنى، بما نصدقه ونعتقده. فإذا كنتُ أعتقد أنها تمطر في الخارج، فسوف أحمل معي مظلة. وإذا اعتقدت أن سيارات الأجرة لا تقبل الدفع بالبطاقة الائتمانية، فإنني سأتأكد من حمل بعض النقود قبل أن أقفز إلى واحدة. وإذا كنتُ أعتقد أن السرقة خطأ، فإننا سأدفع ثمن أشيائي قبل مغادرة المتجر.
وإذن، سوف يشكل ما نعتقده أهمية عملية هائلة. وسوف تقودنا المعتقدات الخاطئة إزاء الحقائق المادية أو الاجتماعية إلى اعتناق عادات سلوكية بائسة، والتي يمكن أن تهدد في حالاتها الأكثر تطرفاً وجودنا نفسه. ولو صدَّق المغني ر. كيلي حقيقة كلمات أغنيته “أعتقد أنني أستطيع الطيران” (1996)، فيمكنني أن أضمن لكم أنه ما كان ليكون موجوداً الآن.
لكنه ليس حفاظنا على الذات فقط هو الذي على المحك هنا. فكحيوانات اجتماعية، تؤثر أفعالنا على الذين من حولنا، وتضع اعتقاداتنا غير المناسبة إخوتنا من البشر تحت الخطر. وكما يحذر كليفورد، فإننا “نعاني جميعاً بما يكفي من الشدة من صيانة ودعم المعتقدات الخاطئة والأعمال الخاطئة إلى حد قاتل التي تفضي إليها (تلك المعتقدات)”. وباختصار، فإن الممارسات المائعة في عملية التكوين العقائدي تكون خاطئة أخلاقياً لأننا عندما نؤمن بشيء –ككائنات اجتماعية- فإن المخاطر تكون عالية جداً.
الاعتراض الأكثر طبيعية على هذه الحجة الأولى هي أنه بينما قد يكون صحيحاً أن بعض معتقداتنا تقود حقاً إلى أفعال يمكن أن تكون مدمرة للآخرين، فإن معظم ما نعتقد به قد لا تكون له تبعات على إخوتنا في البشرية. وهكذا، فإن الزعم، كما فعل كليفورد، بأن من الخطأ ’في كل الحالات‘ الاعتقاد بشيء مع عدم كفاية الأدلة يبدو منطوياً على بعض المبالغة. وأتصور أن النقاد من أصحاب هذا التصور كان لديهم بعض الحق –كان لديهم- وإنما لم يعد الأمر كذلك.
في عالَم أصبحت فيه معتقدات كل فرد تقريباً قابلة للمشاركة على الفور، وبأقل كلفة، وإلى جمهور عالمي، فإن لكل معتقد مفرد القدرة على أن تكون له تبعات حقاً بالطريقة التي تخيلها كليفورد. وإذا كنت ما تزال تعتقد بأن هذه مبالغة، فكر فقط بكيف تفضي معتقدات تشكلت في كهف في أفغانستان إلى أفعال أزهقت أرواحاً في نيويورك، وباريس، ولندن. أو فكِّر بكم أصبحت مؤثرة هذه الهذيانات التي تتدفق على تغذياتك في شبكات وسائل الإعلام الاجتماعية، على سلوكك اليومي نفسه. وفي القرية الرقمية العالمية التي أصبحنا نعيش فيها الآن، تلقي المعتقدات الخاطئة بشبكة اجتماعية أوسع. وربما كانت حجة كليفورد تنطوي على مبالغة عندما طرحها أول الأمر، لكنها لم تعد كذلك اليوم.
الحجة الثانية التي يعرضها كليفورد لدعم ادعائه بأن من الخطأ دائماً الاعتقاد بشيء وتصديقه مع عدم كفاية الأدلة، هي أن الممارسات السيئة في عملية التكوين العقائدي تحولنا إلى مؤمنين لا مبالين وساذجين. ويعبر كليفورد عن فكرته بطريقة جميلة: “ما من معتقد حقيقي، مهما بدا تافهاً ومجزأ، يمكن أن يكون غير مهم على الإطلاق؛ إنه يهيئنا لتلقي المزيد من أشباهه، ويؤكد تلك المعتقدات التي تشبهه من قبل، ويضغف أخريات؛ وبذلك يضع بالتدريج تسلسلاً خفياً في أكثر أفكارنا ضمنية، والذي ربما ينفجر ذات يوم إلى عمل معلن، ويترك بصمته على شخصيتنا”. وبترجمة تحذير ليفورد إلى أوقاتنا المتشابكة، فإن ما يخبرنا به هو أن الاعتقاد اللامبالي والمتهور يحولنا إلى فريسة سهلة لبائعي الأخبار الزائفة، ومنظري المؤامرة، والمشعوذين. وسيكون السماح لأنفسنا بأن تصبح مضيفة لهذه المعتقدات الخاطئة شأنا خاطئا أخلاقيا لأن تكلفة الخطأ على المجتمع، كما رأينا، يمكن أن تكون مدمرة. وقد أصبحت اليقظة المعرفية اليوم فضيلة أكثر قيمة بكثير مما كانت في أي وقت مضى، وقد أصبحت الحاجة إلى فحص وغربلة المعلومات المتعارضة أكثر إلحاحاً بطريقة استثنائية، وحيث أصبحت المخاطرة بأن نصبح عربة لنقل السذاجة على بعد بضع نقرات على هاتف نقال فحسب.
كانت حجة كليفورد الثالثة والأخيرة لإثبات أن الاعتقاد بلا أدلة كافية خاطئ أخلاقياً هي أن علينا، في حدود قدرتنا كموصلين للمعتقد، مسؤولية أخلاقية عن عدم تلويث بئر المعرفة الجمعية. وفي زمن كليفورد، كانت الطريقة التي تُنسج بها معتقداتنا لتتحول إلى “وديعة ثمينة” في كنز المعرفة المشتركة بشكل أساسي هي الكلام والكتابة. وبسبب هذه القدرة على التوصيل، فإن “كلماتنا، وعباراتنا، وأشكال وعمليات وأنماط تفكيرنا” تصبح “ملكية عامة”. وسيكون تخريب هذا “الإرث” كما أسماه، عن طريق إضافة معتقدات خاطئة هو عمل غير أخلاقي لأن حياة الجميع سوف تعتمد في النهاية على هذا المصدر الحيوي والمشترك.
في حين أن حجة كليفورد الثالثة تبدو صحيحة، فقد يبدو من المبالغة مرة أخرى الزعم بأن ذلك المعتقد الزائف الصغير جداً الذي نؤويه يشكل تحدياً وتعكيراً للمعرفة المشتركة. ومع ذلك، فإن الواقع يتحالف مرة أخرى مع كليفورد، وتبدو كلماته نبوئية. اليوم، لدينا حقاً خزان كوني من المعتقدات التي تتم إضافة كل التزاماتنا إليها بعناية: “المعلومات الضخمة” Big Data. بل إنك لا تحتاج إلى أن تكون مستخدماً نشيطاً للإنترنت، والذي يرسل مشاركاته على توتير أو يصخب على فيسبوك: فالمزيد والمزيد مما نفعله في العالم الحقيقي يتم تسجيله ورقمنته، ومن هناك، تستطيع الخوارزميات بسهولة أن تستنتج ما نعتقده حتى قبل أن نعبر عن أي وجهة نظر. وفي المقابل، تستتخدم الخوارميات هذا التجمع الكبير من المعتقدات المخزّنة لاتخاذ قرارات لنا وعنا. وهو نفس الخزان الذي تبحث محركات البحث فيه عندما تبحث عن إجابات لأسئلتنا وتحوز معتقدات جديدة. وما عليك سوى أن تضيف المكونات الخطأ إلى وصفة “البيانات الضخمة”، وسيكون ما تحصل عليه مخرجات قد تكون سامة. وإذا كان ثمة وقت يشكل التفكير النقدي فيه ضرورة أخلاقية، والسذاجة خطيئة كارثية، فهو الآن.

*نشر هذا المقال في الأصل في Aeon، وهي مجلة رقمية للأفكار والثقافة.
*Francisco Mejia Uribe هو مدير تنفيذي في “غولدمان ساش” في هونغ كونغ. درس الفلسفة والاقتصاد في جامعة لوس أنديس في بوغوتا، كولمبيا، وينشر مدوناته في “مدونة الفيلسوف”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Is it morally wrong to believe something without evidence?

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock