أفكار ومواقفرأي اقتصادي

هل تعود بنا الحرب الروسية إلى قاعدة الذهب؟

غسان الطالب*

للذهب مكانة مهمة في الأنظمة الاقتصادية العالمية عبر التاريخ، فكان له مكانة مميزة لدى الأمم والشعوب والحضارات السابقة، وله جاذبية خاصة من كونه عنصرا نادرا له مميزات وخصائص فريدة مثل القدرة العالية على التحمل والبقاء بجودة عالية مهما مر عليه من الزمن، بفضل خصائصه الفيزيائية، فهو موصل جيد للكهرباء ويتميز بطواعيته وسهولة تشكيله، كما أنه من المعادن الخاملة التي لا تتأكسد أو تتحد مع معادن أخرى بسهولة، ويحافظ على لونه ولمعته على مر السنين، مما أكسبه أهمية خاصة في الصناعات المتنوعة وخاصة الطبية منها إضافة إلى الحلي والمجوهرات والزينة، ولعامل الندرة التي يتميز بها الذهب فانه يحافظ على قيمته في أوقات التضخم وفي الأزمات الاقتصادية.

لهذا فهو يعتبر ملاذا آمنا قليل المخاطر للمستثمرين والمدخرين، فكان العديد من الأفراد يعمد إلى تحويل ثروته إلى الذهب كدلالة اجتماعية لأصحاب الثروات ومن يقتنون الذهب، مما ساعد على دخوله عالم الأعمال والتجارة في مبادلة السلع والخدمات.

وفي المعاملات النقدية فإن الذهب يعتبر عامل استقرار للعملة الوطنية وللاقتصاد بشكل عام فهو يحد من رغبة السلطة النقدية في التوسع في الدين أو الائتمان على النقيض من العملات الورقية التي ساهمت في حدوث الازمات الاقتصادية من تضخم إلى كساد وما شابه ذلك.

أوردنا هذه المقدمة للحديث عن اقدام البنك المركزي الروسي بربط قيمة الروبل العملة الوطنية الروسية بالذهب وبقيمة ثابتة لمواجهة العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا ودعم لسعر صرف الروبل بعد أن شهد تراجع حاد في قيمة صرفه بعد فرض العقوبات على روسيا،خطوة فاجئت الأوساط المالية العالمية وذلك على أثر سلسلة العقوبات التي فرضتها أميركا والاتحاد الأوروبي على روسيا بسبب الحرب التي تشنها على أوكرانيا، تلا ذلك طلب روسيا من الدول التي تستورد النفط والغاز أن تدفع قيمة مشترياتها بالروبل الروسي أي بالقيمة المحددة بالذهب وهنا يمكن لنا التنبؤ لبداية ربط سعر البترول عالميا بالذهب مما سيؤدي الى ارتفاع الطلب في الأسواق العالمية على الذهب ويشجع الدول المنتجة للنفط على التحول في بيع منتجاتها من النفط الى الذهب بدل الدولار، وبالمقابل ستدفع هذه الخطوة بدول أخرى ذات ثقل اقتصادي مثل الصين والهند والبرازيل إلى التحول إلى النظام النقدي الجديد المدعوم بالذهب بعد أن أصبحت احتياطياتها النقدية المقدرة بالدولار غير آمنة، وقد تكون هذه البداية للتخلي عن الدولار في المبادلات الدولية والعودة إلى اتفاقية بريتون (Bretton) التي ابرمت في العام 1944 وعلى أثر الحرب العالمية الثانية وبحضور 44 دولة بهدف ايجاد نظام نقدي عالمي جديد لتجاوز آثار الحرب على الاقتصاد العالمي وتأمين الاستقرار وعوامل النمو له حيث تعهدت أميركا بموجب هذه الاتفاقية بتحويل قيمة الدولار إلى الذهب أي ربط الدولار بالذهب إلا انها تخلت عن هذا الالتزام في العام 1971 ولم يعد الدولار يرتبط بالذهب.

إذا العالم يرقب مدى تأثير الخطوة الروسية هذه على النظام النقدي العالمي وهل ستبادر دول أخرى ذات تأثير اقتصادي مهم مثل الصين والهند والبرازيل وهل ستطالب الدول المنتجة والمصدرة للبترول في العالم بتسعير نفطها بالذهب، وهنا تجدر بنا الإشارة إلى تقييم أصول الصناعة المصرفية الإسلامية والتي تعتمد الآن على الدولار في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق المالية العالمية إقبالا على المنتجات المالية الإسلامية ففي هذه الحالة يمكن للذهب أن يلعب دورا كأصول غير ثابتة ذات جودة عالية ضمن قطاع الصيرفة الإسلامية وذلك للمكانة التي احتلتها الصناعة المصرفية الإسلامية على مستوى العالم خاصة من دول غربية عدة مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا، علما بأن العديد من المستثمرين يرغبون بالاستثمار المباشر في الذهب ويتجهون إلى شراء الأصول المادية مباشرة ، أو عن طريق صناديق الاستثمار المتداولة، أو بواسطة العقود الآجلة والخيارات في سوق السلع والأهم بالنسبة لهم المحافظة على قيمة الأصول التي يمتلكونها من تذبذب أسعار الصرف خاصة تلك المقيمة بالدولار.. وللحديث بقية.

باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

المقال السابق للكاتب 

الاقتصاد العالمي يتغير فهل نحن مستعدون؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock