أفكار ومواقف

هل تغيرت المقاربة الأمنية في الأردن؟

رأى كثيرون في قضية توقيف النائب السابقة هند الفايز على خلفية قضية مالية، قبل الإفراج عنها في اليوم التالي، تصعيدا خطيرا لا بل تحولا في المقاربة الأمنية والسياسية لجهة مفهوم “الأمن الخشن”، وفي السياق ذاته، توقيف عدد محدود من نشطاء “الرابع” بعد أن تجاوزت شعاراتهم سقف القانون .وذهبت جل التعليقات إلى ربط هذا التحول بوزير الداخلية “المخضرم” سلامة حماد الذي دخل الحكومة ضمن التعديل الوزاري الأخير على حكومة الرزاز.
مجمل المعطيات السياسية والأمنية لا تبرر هذا الرأي لاعتبارات عديدة.
قضية النائب الفايز حساسة جدا لسببين؛ نشاطها السياسي كمعارضة نشطة، وصفتها كنائب سابقة. لكن ينبغي الملاحظة هنا أن مؤسسات الدولة كسرت هذا “التابو” في السياق العام ولم تعد تأخذ في الاعتبار مكانة الأشخاص السياسية عندما يتعلق الأمر بتطبيق القانون، وثمة أمثلة كثيرة على هذا الصعيد. قبل أيام فقط تم توقيف نائب حالي “سيدة أيضا” بعد شجار مع ضابط شرطة، وسبقها تسطير لائحة ادعاء بحق نائب حالي في قضية تزوير. وعلى حد علمنا لم يتم تحريك أي قضية ضد السيدة هند الفايز على خلفية مواقفها السياسية وتصريحاتها مرتفعة السقف في الوقفات الاحتجاجية طول السنوات الماضية.
وأيا تكن الخلافات مع سياسة الحكومة حول ملفات داخلية، فهي بمنسوب أقل بكثير من تلك التي سادت مع حكومات سابقة. أما على مستوى الدولة، فإن التناغم بين مواقف المؤسسات والشارع حول القضايا الكبرى هو في أفضل مستوياته مقارنة مع مراحل سابقة.
الموقف من تسريبات صفقة القرن، واللاءات الثلاث التي أطلقها الملك عبدالله الثاني كانت كفيلة بحشد الرأي العام الأردني خلف موقف الدولة، وتنظيم عشرات الفعاليات الشعبية المساندة وبدعم من أحزاب معارضة وقوى مدنية مستقلة.
صدى هذه المواقف تجاوز الداخل الأردني ليحصد التأييد في الشارع العربي، ويكفي الإشارة هنا إلى تصدر الملك عبدالله الثاني استطلاع الشخصية الأكثر شعبية لقناة الجزيرة القطرية ثلاث مرات في غضون أسابيع قليلة.
ما أود قوله هنا إن الدولة ليست في موقف حرج يستدعي اللجوء للقبضة الأمنية لتمرير صفقات أو مشاريع مرفوضة شعبيا ومفروضة خارجيا.
أما الحراك في الشارع، فهو في أدنى فعالياته مقارنة مع سنوات سابقة بلغ فيها معدلات قياسية ومع ذلك لم تضطر الدولة حينها لإجراءات أمنية قاسية كالتي أقدمت عليها دول أخرى.
أعتقد ان ما يحصل حاليا من إجراءات لا يزيد عن كونه تنبيها شديد اللهجة بضرورة التوقف تماما عن تجاوز السقوف، والتطاول بشعارات وبعبارات ترفضها الأغلبية الساحقة من الأردنيين على اختلاف توجهاتهم، وترى في تكرارها تهديدا لهيبة الدولة وضربا للوحدة الوطنية، وضررا بالغا بمطالب الإصلاح.
ويدرك غالبية المشتغلين بالسياسة في الأردن أن المقاربات الأمنية التي تحكم علاقة الدولة بمواطنيها لا تخضع للتغييرات في المناصب الرسمية حتى لو كان هذا المنصب بحجم وزير الداخلية. في سنوات الشدة الماضية تقلب عدد غير قليل من الوزراء على موقع “الداخلية” لكن ذلك لم يغير في المعادلة الأمنية التي ظلت محكومة بحرمة الدم الأردني، واحترام حرية التعبير والرأي وحق التظاهر السلمي. وهذه السياسة ليست مرشحة لتغيير جوهري في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock