أفكار ومواقفرأي اقتصادي

هل تفرض الحكومات العربية ضرائب أعلى على الفقراء من الأغنياء ؟

يوسف منصور
قبل ثلاثة أسابيع، نشرت مجلة الإيكونيميست مقالا بعنوان “الحكومات العربية تفرض ضرائب أكثر على الفقراء”، وذكرت فيه الأردن من بين دول عربية أخرى. على عكس المقالات الأخرى لمجلة الإيكونيميست، وهي مجلة عالمية عريقة ذات تاريخ قديم يمتد لنحو 180 عاما تقريبا، فقد ارتكبت المجلة العديد من الأخطاء عند تحليل الضرائب لهذه الدول ومن بينها الأردن.
في حين يتفق المرء مع الاستنتاج القائل بأن بعض الدول العربية تفرض ضرائب على الفقراء لزيادة الإيرادات بناء على حقيقة أن جزءا كبيرا من الدخل الضريبي في هذه البلدان ناجم عن ضريبة المبيعات وهي ضريبة تنازلية (أي أن وطئها يكون أكبر على الفقراء منه على الأغنياء) ، فلقد خالفت المجلة القاعدة الأولى في تحليل الضرائب وعبئها وهي لأن لا يتم تقييم نوع من الضرائب بمعزل عن الضرائب الأخرى بكليتها.
على سبيل المثال، سيكون من الخطأ القول أن الأردن أفضل حالا من فنلندا لأن ضريبة المبيعات العامة تبلغ 16 % في الأردن
و 24 % في فنلندا، فقط لأن ضريبة المبيعات في الأردن أقل من تلك في فنلندا. وأحد أسباب الخطأ هو أنه على عكس الأردن، لا توجد ضريبة دخل على الأفراد في فنلندا ومعدل الضريبة على الشركات هو 20 % بينما يصل الى أعلى من ذلك في الأردن. كلا النوعين من الضرائب (الدخل والارباح) أقل في فنلندا منه في الأردن. علاوة على ذلك ، من المتعارف عليه أن الأردنيون يدفعون أكثر من 130 نوعا من الضرائب مثل ضرائب التلفزيون والمطارات والحدود والأسفلت والمجاري والجوال والمساحات المبنية والجامعات وما إلى ذلك، وهي ضرائب لا تتواجد في دول متقدمة مثل فنلندا وهو ما لم يتم مراعاته في تحليل المجلة (وأيضا في كتابات العديد من المحللين للضريبة بل وصناع القرار في الأردن).
وهنالك نقص في التحليل أيضا عندما لا يقارن الباحث بين الضرائب المدفوعة والمزايا والمنافع التي تقدمها الحكومات مقابل هذه الضرائب كالتعليم الملائم في كافة مراحله، والصحة، والبنية التحتية اللائقة، والمواصلات العامة، ومياه الشرب، والطاقة بأسعار ممكنة للإنتاج بتنافسية عالية والاستهلاك دون ان تكون عالة. فالضرائب ما هي إلا الأداة التي تسعى الحكومة من خلالها إلى أن تتصرف مثل روبن هود، تأخذ من الأغنياء لتعطي الفقراء، لتمكين كافة أبناء وبنات شعبها (دون إقصاء أحد بسبب دخله أو أصله أو جنسه وغيره) من الحصول على فرص التعلم وفرص العمل في بيئة تعليمية صحية، سليمة وآمنة من الجوع والخوف والاضطهاد وخالية من حق التمثيل في اتخاذ القرارات التي تمس مصيرهم. ولمقارنة المنافع والميزات المتلقاة من الحكومة مقابل هه الضرائب، دعنا نستخدم تقرير السعادة العالمية، الذي تنشره شبكة حلول التنمية المستدامة ويصنف 146 دولة من حيث مستوى السعادة فيها. في عام 2022، وفقا للتقرير، احتلت فنلندا المرتبة الأولى والأردن المرتبة 124. وأحد أسباب السعادة هو الرفاه الاقتصادي (رغم أننا نتكلم عن الناحية الاقتصادية فقط، فالنواحي السياسية
والاجتماعية قد لا تقل أهمية) لما تقدمه فنلندا من تعليم مجاني ممتاز، وخدمات صحية مجانية، ومياه صالحة للشرب وطاقة بأسعار منخفضة، ومواصلات عامة تغني عن اقتناء مركبة خاصة ، وغيرها من الخدمات التي لا يتلقاها الأردنيون بذات الجودة. وهي منافع لم يذكرها تحليل الايكونوميست.
علاوة على ذلك، أشارت مقالة الإيكونوميست إلى ضرائب الدخل في دول الخليج وكأنها مثل دول أخرى في العالم المتقدم. ففي دول الخليج تمتلك الحكومة آبار النفط وتبيعها ومن ثم توزع بعض عوائده على الناس. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، يمكن لأي شخص امتلاك بئر (آبار) النفط الخاصة به، ويدفع الضرائب والرسوم. أي أنها لا تقارن بكسل، ربما للحصول على نتيجة واحدة دون عناء.
أخفق المقال أيضا في النظر في حجم الرسوم التي يتم فرضها دون تصنيفها كضرائب. في الأردن ، تبلغ الإيرادات غير الضريبية (الغالبية العظمى منها رسوم) ما يقارب 2 مليار دينار أردني، أو 25 % من إجمالي الإيرادات المحلية. ولو كان محللو الايكونوميست قد أزعجوا أنفسهم للنظر في القصة المحلية للضرائب والرسوم المدفوعة، فأني متأكد من أنهم كانوا سيكتبون مقالاً مختلفاً.
ربما جاء المقال كما هو لأن مجلة الايكونوميست تميل الى أو تعتمد مبادئ الليبراليون الجدد (كمدرسة شيكاغو). على كل فإن الدروس الرئيسية التي يجب استخلاصها هي: كلما أمكن، عند تحليل الاقتصاد، يجب على المحلل أن يعرف القصة المحلية (فلا ننسى الرسوم عند تحليل الضرائب)؛ ثانيا، لا ينبغي التضحية بالقواعد والمعايير لتبرير غاية أو إثبات حجة. والاجابة على السؤال، رغم ضعف تحليل المجلة، هو بالإيجاب بالنسبة للدول غير النفطية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock