ترجمات

هل تقف الجزائر على حافة الهاوية؟

سارة فوير* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 9/3/2019

في الأسبوع الثالث من حركة الاحتجاجات التي اندلعت في 22 شباط (فبراير)، توقعت عاصمة أكبر بلد في أفريقيا نزول ما يعادل مليوني شخص إلى الشارع في 8 آذار (مارس). وبعد أن انطلقت التظاهرات في الجزائر للاعتراض على الولاية الخامسة المتوقَّعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يبلغ من العمر اثنين وثمانين عاما، بقيت هذه التظاهرات سلمية بشكل عام حتى الآن، لكن احتمال حدوث اشتباكات عنيفة مع قوى أمن الدولة سيزداد مع تضخّم أعداد المحتجّين. وقد تحدد الأيام المقبلة ما إذا كان أحد البلدان القليلة التي تفادت اضطرابات الربيع العربي سيسلك مساراً باتجاه الإصلاح أم أنه سيتدهور إلى أتون الفوضى.
ما سبب الاحتجاجات؟
ليست التظاهرات غريبة عن الجزائر، وقد شهد البلد في السنوات الأخيرة آلاف الاحتجاجات صغيرة النطاق حول مسائل محلّيّة، مثل الحصول على الإسكان والوظائف. غير أن الموجة الأخيرة هي الأكبر والأوسع انتشارا منذ سنة 2011، حين اجتاحت مجموعة من الانتفاضات جزءاً كبيراً من الشرق الأوسط. وتمكّنت الجزائر من تفادي الأسوأ من ذلك الصراع، فيما يعود في جزء منه إلى ذكريات حربها الأهلية التي دامت لعقدٍ من الزمن في التسعينيات، والتي يبدو أنها ثبّطت العزيمة عن زيادة التحشيد، وإلى إسراع الحكومة أيضاً في استخدام مواردها لزيادة منافع الرعاية الاجتماعية. ولكن، لا يبدو أن أيًّا من الرادعيْن ينفع اليوم.
كان السبب المباشر الذي أدّى إلى الاحتجاجات الحاليّة هو مشاهدة بوتفليقة وهو يترشح لولاية خامسة تمتد على خمس سنوات في الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر أن تُجرى في 18 نيسان (أبريل)، على الرغم من بقائه بعيداً عن الأضواء إلى حدٍ كبير منذ أن أُصيب بسكتة دماغية في العام 2013. وجاء الإعلان الرسمي عن ترشّحه في 3 آذار (مارس) -بعد أسبوعٍ من سفره إلى جنيف بحسب التقارير لتلقّي العلاج الطبي، وبعد يوميْن من تدفق ما يقارب 800.000 محتج إلى شوارع الجزائر العاصمة للمطالبة بعدم ترشّحه.
أما الأسباب الأعمق التي تكمن خلف الاضطرابات فتعود إلى تصلّب النظام السياسي وتدهور الاقتصاد. فمنذ الحصول على الاستقلال من فرنسا في العام 1962، حَكَمَ الجزائر تحالفٌ غامض من القادة العسكريين والمسؤولين الاستخباراتيين ونخب رجال الأعمال والسياسيين المعروفين معاً باسم Le pouvoir (السلطة). وعلى مر العقود، انبثقت شرعية هذه الفصيلة إلى حدٍ كبير من واقع أن الكثيرين من أعضائها شاركوا في النضال من أجل الاستقلال. وبوتفليقة، الذي استلم مقاليد الحُكم في سنة 1999، هو من بين النخب الأخيرة الباقية من ذلك الجيل، ويعود إليه جزءٌ كبيرٌ من الفضل في مساعدة البلاد على بلوغ قدرٍ من الاستقرار بعد الحرب الأهلية التي أودت بحياة حوالى 200,000 شخص. إلا أن قرار ترشحه مرة أخرى أشار إلى أن النخب الذين يُفترَض أنهم مسؤولون عن اختيار خلَفه كانوا عاجزين عن التوصل إلى إجماع.
علاوةً على ذلك، لا يتردد كثيرا صدى الإشارة إلى الكفاح ضد الاستعمار والتحذيرات من العودة إلى “العقد الأسود” للتسعينيات في آذان 70 في المائة من 41 مليون مواطن في الجزائر، والذين لم يبلغوا سنّ الثلاثين. وما يعني هذا الجيل أكثر بشكلٍ مباشر هو معدّل البطالة في شريحة الشباب الذي بلغ 25 في المائة، والاقتصاد الذي يزداد سوءًا باطراد، وهما أمران عجزت أم لم ترغب النخب السياسية في تحسينهما. وتعتمد الجزائر كثيرًا على مردود مبيعات النفط والغاز، التي تشكّل 95 في المائة من عائداتها التصديرية و60 في المائة من مداخيل ميزانيتها. واضطرّت الدولة بسبب هبوط أسعار النفط العالمية في سنة 2014 إلى الاستعانة باحتياطات العملة الأجنبية، التي تراجعت بنسبة 50 في المائة تقريبا منذ سنة 2011. وفي الوقت نفسه، تحدّ الأحكام التجارية التقييدية من الاستثمار الأجنبي بشكلٍ كبير. لذلك كلُّ من يستلم السلطة بعد هذه الدورة من الانتخابات سيواجه وضعاً اقتصاديّاً ملحّاً بحاجة إلى الإصلاح العميق.
التبعات على السياسة الأميركية
على الرغم من أن علاقة واشنطن مع الجزائر ليست متينة بقدر العلاقة التي تتمتع بها مع البلدان المجاورة مثل المغرب وتونس، سوف تؤدي إصابة هذا البلد بنوبة جدّيّة من عدم الاستقرار إلى تقويض المصالح الأميركية في المنطقة. وقد برزت الجزائر كشريك أساسي لمكافحة الإرهاب في الحملة لإضعاف الشبكات التابعة لتنظيم “القاعدة” في منطقة الساحل إلى الجنوب. ويعتمد الحلفاء الأوروبيون من جهتهم على الجزائر لضمان التدفق المستمر للهيدروكربونات بصفتها مزوّدهم الثالث الأكبر بالغاز الطبيعي، ولتخفيض نسبة تدفق المهاجرين من أفريقيا. كما انضمت الجزائر مؤخراً إلى محادثات متعددة الأطراف تهدف إلى حل النزاع الذي دام لعقود في الصحراء الغربية.
غير أن استجابتها للاحتجاجات حتى الآن لم تكن كافية لطمأنة الحلفاء بأن هذه الركائز الخاصة بالاستقرار الإقليمي آمنة. وقد استبدلت الحكومة مدير حملة بوتفليقة واقترحت في حال فوزه أن يخدم لمدة عامٍ واحدٍ فحسب، وأن يتم عقد مؤتمر وطني من أجل التحضير للانتخابات الجديدة. (عاد بوتفليقة فسحب ترشيحه). وقد أكدت هذه التنازلات المقترَحة، مع الاقتراب من موعد الانتخابات، الخلل الجدّي في حكومةٍ كان أمامها سنوات عدة من أجل التخطيط لخلافةٍ حتميةٍ، وإنما اتضح أنها لم تكن بحجم المسؤولية. ونظراً إلى التقارير الأخيرة حول تعاظُم الاحتجاجات، لن تهدّئ هذه العروض على الأرجح الوضع المتوتر.
وهكذا، على واشنطن أن تستعد لاحتمال استمرار الاضطراب، وأن تعمل في الوقت نفسه بهدوء مع الحلفاء العرب والأوروبيين على حث الجزائر على وضع خريطة طريق موثوقة للخروج من المأزق، والتي تأخذ في الاعتبار بشكلٍ مناسب هواجس المحتجّين. كما أن عليها النظر في توسيع قنوات الالتزام لتشمل المحادثات بين “قيادة الولايات المتحدة في أفريقيا” ورئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، الذي سبق وأن تعهد بالحفاظ على استقرار البلد وأمنه.

*خبيرة في شؤون السياسة والدين في شمال أفريقيا، وزميلة سوريف الرفيعة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock