أفكار ومواقف

هل تكون بكين من ينهي حرب موسكو وكييف؟

خالد دلال

كل القوى المتصارعة في الحرب الروسية – الأوكرانية تحاول خطب ودها أو جذبها لمحورها. إنها بكين، التي ما تزال تقف في المنطقة الرمادية، متماشية مع عقيدتها السياسية منذ عقود، والقائمة على تجنب التورط في النزاعات الدولية، والتي وإن كان موقفها في ذلك يخدم موسكو حاليا كما يرى البعض، إلا أنه ليس كذلك بتاتا بالنسبة لواشنطن وحلفائها الأوروبيين.

ومع كل ذلك، فالصين ليست في موقف تحسد عليه. فهي من جانب لا تريد أن تخسر حليفتها الجيوسياسية روسيا، خصوصا أن المارد الصيني يتفق مع الروس أيديولوجيا، وبقوة، على ضرورة كبح جماح التوسع الجغرافي لحلف الناتو، لكنها من جانب آخر لا تريد اتخاذ مواقف تؤثر على مصالحها الاقتصادية مع أوروبا والولايات المتحدة، واللذين يعدان الشريكين الأقوى اقتصاديا لها، حيث “بلغ حجم التبادل التجاري العام 2021 بين الصين ودول الإتحاد الأوروبي نحو 828 مليار دولار، ومع الولايات المتحدة حوالي 756 مليار دولار، مقابل ما لا يزيد على 146 مليار دولار مع روسيا”.

ولعل هذا التوازن في المصالح ما يشغل بال القادة في بكين، والذي قد يكون المحرك لجهد دبلوماسي صيني للعب دور الوسيط الذي ينهي الأزمة الأوكرانية. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، خصوصا مع مواقف واشنطن المتشددة أساسا من بكين في العديد من الملفات، ومنها تايوان تحديدا، إضافة إلى الإشكالات الاقتصادية بين البلدين، ومحاولات الولايات المتحدة عرقلة الصعود الاقتصادي والتكنولوجي الصيني القوي بذرائع مختلفة.

أضف أن الولايات المتحدة قد تسعى جاهدة لتكون إحدى حليفاتها من يقود مساعي إنهاء الأزمة. وقد ترى في الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الخيار الأنسب، ولعل هذا هو السبب كونه الرئيس الذي يحظى بقنوات تواصل مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من غيره.

وفي مقابل التشدد الأميركي المتوقع من لعب الصين دور الوسيط، قد ترى أوروبا غير ذلك. فالأمر بالنسبة للاتحاد الأوروبي أكثر إلحاحا لإيجاد مخرج عاجل للأزمة الأوكرانية كون رحى الحرب تدور على مقربة جغرافية منها، وقد تتسع بفعل تصرفات غير محسوبة من الأطراف المتصارعة وتصل لنتائج كارثية، خصوصا مع الأحاديث باستعانة أطراف الأزمة بمقاتلين أجانب، ما قد يجعل من أوكرانيا سوريا ثانية. لهذا كله جاء تصريح مسؤول السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى، ​جوزيب بوريل​ مؤخرا بقوله، وفق وسائل إعلام دولية، إنه “يتعين على الصين التوسط فى محادثات سلام مستقبلية بين روسيا وأوكرانيا”، معللا ذلك “إلى أن الدول الغربية لا يمكنها لعب هذا الدور”.

قد يكون من مصلحة الصين التوسط، لكن هذا قد يعقد حساباتها مستقبلا، خصوصا عند الحديث عن تايوان. لكن بكين قد تبدى ليونة حماية لمصالحها الاقتصادية، وهي متشعبة. ولعل ما ينطبق عليها هنا هو قول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ونستون تشرشل: “في السياسة، ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم. هناك مصالح دائمة”.

وإذا ما نظرنا إلى الصين من هذه الزاوية، فقد تكون قادرة على إقناع الروس بوقف الحرب، لكن السؤال يبقى: هل لدى الولايات المتحدة والأوروبيين النية فعلا لتطمين مخاوف روسيا الحالية والمستقبلية؟ والأهم الأخذ بعقلانية حسابات الصين في محيطها الهندي والهادي. وهذا ما يكمن سره فيما يدور في رأس عراب السياسة الأميركية، الرئيس جو بايدن، لا غيره. فهو السياسي المخضرم القادر على اجتراح الحلول إن أراد. ولعل في اتصاله الأخير مع نظيره الصيني، وشي جينبينغ، الأمل لتجنيب البشرية الانزلاق أكثر نحو مجهول الحروب والصراعات.

المقال السابق للكاتب 

وبدأ سباق التسلح في العالم

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock