ترجمات

هل تلمح المقاومة العراقية إلى خفض التصعيد؟

حمدي مالك؛ وكريسبين سميث* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 9/7/2021

على الرغم من تصاعد الهجمات على المواقع الأميركية في العراق، إلا أن هناك العديد من المؤشرات على أن فصائل المقاومة تضع أسسا لوقف التصعيد. فقد لطّف قادة الميليشيات من لهجة تهديداتهم بالدعوات إلى ضبط النفس، وقال أبو علي العسكري، القيادي البارز في “كتائب حزب الله”، في بيان: “إننا ندعو الإخوة في فصائل المقاومة العراقية إلى الحفاظ على قواعد الاشتباك وعدم حرق مراحل المعركة مع العدو”.
* * *
في أعقاب الضربات الجوية الأميركية في 28 حزيران (يونيو)، التي استهدفت ثلاثة مواقع لميليشيات متحالفة مع إيران في سورية والعراق، انهال قادة المقاومة العراقية ووسائلها الدعائية بوابل من التهديدات ضد القوات الأميركية في العراق. وفي إطار لغتها التصعيدية، تحدثت الميليشيات عن “تغيير المعادلة” -أي عن مساعي الميليشيات لطرد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق بالقوة. وجاء الخطاب مدعوماً بالأفعال: في نهاية حزيران (يونيو) وبداية تموز (يوليو)، شنت الميليشيات هجمات على السفارة الأميركية، وعلى أربيل، وعلى “قاعدة عين الأسد الجوية” مرتين، على الرغم من أن قسم العمليات الإعلامية الخاصة بالميليشيات بالغ في حجم الهجمات ووقعها في كل مرة. ولكن، حتى مع هذا التصعيد الذي قامت به الميليشيات، بدا أن قادة الميليشيات يمهّدون لخفض التصعيد مع الولايات المتحدة. ويبدو من المرجح أن تهدأ جولة التصعيد الحالية حالما تتمكن الميليشيات من الادعاء بأنها ردّت بشكل متناسب على الضربات الأميركية، ما سيسمح لقادتها بإرضاء قواعد دعمهم.
وفي الواقع، لطّف قادة الميليشيات من لهجة تهديداتهم بالدعوات إلى ضبط النفس، ففي 8 تموز (يوليو)، قال أبو علي العسكري (اسم مستعار)، القيادي البارز في “كتائب حزب الله”، في بيان: “إننا ندعو الإخوة في فصائل المقاومة العراقية إلى الحفاظ على قواعد الاشتباك وعدم حرق مراحل المعركة مع العدو”. وبعد جولة من التصعيد في عدد الهجمات ضد القوات الأميركية في العراق، يبدو أن أبو علي ترك المجال مفتوحاً أمام المزيد من ضبط النفس.
كما أن أمين عام ميليشيا “عصائب أهل الحق”، قيس الخزعلي، جمع أيضاً بين الخطاب الناري واللغة الدالة على ضبط النفس. ففي خطاب متلفز بثّته قناة “العهد” في 29 حزيران (يونيو)، وصف الخزعلي في البداية استراتيجية حرب الاستنزاف التي تتبعها المقاومة، قائلاً: “إن عمليات المقاومة حريصة بقدر إمكانها على عدم إراقة دماء. كان التكتيك في المرحلة الماضية (قبل الضربات الجوية الأميركية في 28 حزيران (يونيو))، هو استنزاف قدرات العدو العسكرية”. ثم انتقل إلى التهديد بقتل العناصر الأميركيين انتقاماً لمقتل جنود المقاومة بالضربات الجوية الأميركية. وقال: “لن يكون الاقتصاص لدماء شباننا الغالية إلا دماء جنوده المحتلين”.
لكن قيس سارع بعد ذلك فوراً إلى التخفيف مجدداً من حدة لهجته، فتحدث عن استعداد المقاومة لخفض التصعيد بعد الجولة الأخيرة من الهجمات من خلال الاستشهاد بالآية 33 من “سورة الإسراء”: “ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا”. وأضاف الخزعلي: “إذا تعلّمَتْ الإدارة الأميركية الدرس، فليس لدينا مشكلة، يمكننا العودة إلى السياسة السابقة”، (أي تجنب القتل المتعمد للجنود الأميركيين).
كما أرسل هذان الزعيمان من المقاومة العراقية إشارة أخرى إلى استعدادهما لوقف التصعيد عبر إنكار أي دور لتنظيميهما في الهجوم الذي شُن على السفارة الأميركية في بغداد. وجاء في بيان العسكري في 8 تموز (يوليو) أن “المقاومة ترفض استهداف البعثات الدبلوماسية، وأن قرار المقاومة، هو عدم قصف حتى معسكر سفارة الشر الأميركية، (الآن على الأقل)”. وجاء بيان أبو علي بعد ساعات قليلة من تغريدة نشرها قيس الخزعلي وتضمنت الفكرة نفسها: “بالنسبة للهيئة التنسيقية لفصائل المقاومة، إلى الآن لم تدخل السفارة الأميركية ضمن معادلة الرد”.
وفي أعقاب الغارة الجوية الأميركية التي شُنت في 28 حزيران (يونيو)، تعرضت الميليشيات العراقية لانتقادات من بعض أنصارها المتطرفين الذين طالبوا بالقيام بعمل جاد ضد القوات الأميركية في البلاد، وقد توفرت الأدلة بالفيديو على أن هؤلاء القادة يتعرضون للانتقاد من قبل قواتهم. لذلك يتوجب على الميليشيات أن تبدو وكأنها تنتقم لموت عناصرها. ولكن ذلك لا يستدعي بالضرورة قتل الجنود الأميركيين والمخاطرة بقيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات انتقامية. وهذه الميليشيات بحاجة إلى إعطاء الانطباع بأنها انتقمت. ولهذا السبب كانت الشبكة الإعلامية الواسعة لفصائل المقاومة تعمل جاهدة على المبالغة في تصوير حجم هجماتها الأخيرة وفعاليتها.
وإضافة إلى إرضاء مناصريها، تعمل المقاومة أيضاً على التوفيق بين الأهداف الآتية:
• إنهاء حلقة الانتقام القاتل: من الممكن أن تتجاهل الميليشيات الضربات الأميركية غير الفتاكة، لكنها لن تتقبل الخسائر في الأرواح. ولذلك تُلمّح الميليشيات إلى أنه يجب على الولايات المتحدة الرد على الأضرار المادية بأضرار مادية فقط. وهذا ما يسعى قول الخزعلي “الدم مقابل الدم” إلى ردعه. وفي 9 تموز (يوليو)، كشف منشور “صابرين نيوز” عن نية المقاومة في هذا الصدد، حيث أشار إلى ما يلي: “تتجه المقاومة إلى… تغيير قواعد الاشتباك مع الاحتلال… كلما استهدفتم موقعاً واحداً لنا، سنستهدف جميع قواعدكم”.
• أخذ احتياجات إيران الاستراتيجية بعين الاعتبار: على الرغم من أنه من المرجح أن تكون المقاومة العراقية قد نالت موافقة إيران على التصعيد الأخير في الهجمات، إلا أن الميليشيات ما تزال خاضعة على الأرجح لضوابط معينة تفرضها إيران بهدف تجنب عرقلة المفاوضات النووية التي تجريها
مع الغرب.

*الدكتور حمدي مالك: مسهم في موقع “المونيتور” و”بي بي سي” باللغة الفارسية، وقد بحثت أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه التطورات الاجتماعية والسياسية في مرحلة ما بعد صدام حسين في العراق. كريسبين سميث: زميل في فريق قانوني معني بشؤون الأمن القومي ومقره في واشنطن. وتركز أبحاثه على قضايا الأمن، وحقوق الإنسان، وقانون النزاعات المسلحة في العراق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock