إنه الصوت! لا شيء يضيع عليك بعد فقدان الأحباء أكثر من الصوت، حتى لو اعتقدت بأن تسجيلات الواتس آب والفيديوهات المحفوظة، كفيلة لأن تعيد إليك الصوت، فتأكد بأنت مخطئ واهم!
ماتت أمي. هكذا تعرفت على الخبر وهكذا خبرته وشاهدته وراقبته عن كثب. ماتت تاركة وراءها قوة عظيمة في السيطرة على الأمور، حتى في غيابها الطويل. لا أظن أن أحدا ممن يرتبط بهذه المرأة عن قرب؛ ابن أو ابنة تحديدا، سيجادل في موضوع السيطرة هذا، والذي نستشعر أنه ممتد منذ اللحظة التي قررت فيها هي ألا نحزن عليها، كحزن الأبناء في العادة على أمهاتهم.
قالت لي قبل أن تغوص في غيبوبتها إنها تخاف علينا. وحين سألتها ممن تخافين يا ماما ونحن ربيبات كامل الشيخ وأنت؟ فردت بحزن: أخاف أن تحزنوا. وهكذا وبكل بساطة، قررت أن يكون ألمنا على فراقها أنيقا خافتا وقويا، مثلها تماما، منى حسن التي فارقت الحياة بجسدها الغض الناعم، ولم تفارقنا روحها الجميلة.
هل تموت الأمهات؟ لعله سؤال يفتح الباب على مصراعيه واسعا ناحية الردود الفقهية الدينية، التي تحضنا على الإيمان والقبول بالقدر خيره وشره. إنما التساؤل هنا يحمل عمقا إنسانيا حميميا لا يستشعره إلا من فقد أمه بالذات. على الرغم بأن فقد الآباء ليس أقل وقعا على النفس.
لكن للأم أسرار نعرفها جميعا؛ رائحة تستدرج روحك من أول سلم العمارة إلى باب البيت، غير المغلق بالمفتاح بالعادة. حفيف ثوب يلامس أطراف الكنب والطاولة والثلاجة ومنشر الغسيل وكرسي الصلاة.
رنين هاتف لا يتوقف اعتاد على إهمال الرد المتعمد، ليرتفع فيك الأدرينالين، وتقلق من غياب الصوت، فتتراكض إليها لاهثا خائفا، تستقبلك بسؤالها المعهود: أكلت؟! عينان طيبتان محتالتان في الوقت ذاته، تعرف كيف تسير قبيلة بكاملها بنظراتها المدروسة المحسوبة، والمحفوظة لدينا جميعا، تقدر أن توقف موافقة آباء على مشاريع نزهات أو حفلات.
تقرأ ما بين سطور تجاعيد جبينك الأسرار التي علمتها أصلا من أحد إخوتك، وليس من حاستها السادسة المدعية. تغلق بابا للحوار أو تفتحه حسب مزاجها تكون أنت على أحر من الجمر للبت فيه. يا لها من عينين تلك اللتين أغمضتا بهدوء في مساء اليوم الأول للحج، فيما صوت التكبيرات يسري في غرفتها كما السحر اللذيذ البارد المعبق برائحتها هي.
قلت في البداية إن أكثر ما يمكن أن تفتقده بعد موت أمك هو صوتها. لكنني أعتبر نفسي شخصا محظوظا حين عثرت عليه صدفة، في دفتر كانت تخبئه إلى جانبها. تكتب فيه خواطرها ومقتبسات أعجبتها من هنا وهناك. خطها، بالرصاص والأحمر والأزرق موسيقى ترن في أذني وأنا أقرأ أمي من جديد، في دفترها الملون. كنت أنوي أن أنقل في هذا المقال مقتطفات مما كتبته خلال سنوات طويلة، تضمنت مشاعر مختلطة وأحكاما متأخرة وآراء في السياسة والمجتمع، وأدعية ووصفات طبخ بالطبع، والكثير المثير من الرسائل الموجهة لمن كانت، هل قلت كانت؟ تظن أنها ستصل لأصحابها، سواء ممن أحبتهم وأحبوها، أو لأولئك الذين صدمت بهم على كبر! لو أنهم فقط يقرؤون اليوم ماذا كتبت عنهم، لربما ازدادوا فرحا وانتشاء وفخرا، أو شعروا بالخزي والعار. إنها خطوطها “وصيتها” التي لم تترك مجالا للنقاش بعد أن رفع القلم!
كبداية اسمحوا لي أن أتشارك معكم هذه الكلمات الطيبة، والتي سيعرف كل من سيقرأها لمن كانت تقولها ماما “سأظل أكتب عنك حتى نهاية أنفاسي، سأظل أفتقدك وأشتاقك وأحبك. سأظل أحبك ويردد لساني اسمك، سأنحت صورتك في قلبي وأحدث عنك الساهرين طول العمر”. ونقطة!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock