تحليل إقتصادي

هل تنجح الصين في تدويل عملتها؟

بقلم إبراهيم شكري دبدوب*

تزداد التكهنات والتوقعات بأن يتحول اليوان الصيني إلى عملة الاحتياط الأولى عالميا، بدلا من الدولار الأميركي. فالصين باتت أكبر مصدر في العالم، وأكبر مستثمر في السندات السيادية وثاني أكبر اقتصاد في العالم. كما يمكن تلمس رغبة الصينيين في تدويل عملتهم عقب الأزمة المالية العالمية، فهل ينجحون؟
في أول رد لهم على الأزمة المالية العالمية، قال الصينيون صراحة وبلهجة حادة في اجتماع مجموعة العشرين في العام 2008: “العالم في حاجة الى نظام مالي جديد”. ولم يمض على هذا التصريح الكثير من الوقت حتى برز اليوان كعملة متداولة على الساحة العالمية. ففي الأشهر الستة الأولى من العام الماضي، تضاعفت التداولات التجارية بالعملة الصينية بأكثر من 13 ضعفا خلال 12 شهرا، كما تضاعفت الودائع بالعملة الصينية في هونغ كونغ بنحو 10 أضعاف منذ هذا التصريح. واليوم، يريد الصينيون أن يدخل اليوان ضمن سلة العملات التي تحدد قيمة حقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي.
في الواقع، إن البنوك المركزية تعزز احتياطاتها بالعملة الاجنبية لسببين، اما لضمان قدرتها على سداد قيمة الواردات، أو لضمان قدرتها على تسديد ديونها بالعملة الاجنبية. وإذا ما نظرنا إلى خارطة العالم المالية اليوم، لوجدنا ان معظم واردات العالم تأتي من الصين، كما أن الأخيرة هي اكبر مقرض في العالم. وبالتالي، من المنطقي ان يزداد ثقل اليوان بين العملات العالمية الرئيسية.
لكن ما يستدعي التوقف عنده هنا هو ان توجه الصين نحو تدويل عملتها لا يقوم على استراتيجية وسياسة واضحة المعالم، بل يأتي من منطلق محاولة الحد من انكشافها على الدولار الأميركي ومخاطر الاسواق العالمية. فالنمو الاقتصادي الصيني يتأتى بشكل أساسي من الفائض الهائل في ميزانها التجاري، مستفيدة من ضعف سعر صرف عملتها مقابل العملات الأخرى. وقد راكم البنك المركزي الصيني إثر ذلك احتياطات خيالية بالدولار، كما توسع الصينيون في الاستثمار بالسندات الحكومية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أخذ النموذج الاقتصادي الصيني هذا حيزا واسعا من النقاش بين واضعي السياسات في الصين والإصلاحيين الذين يدعون إلى خفض الاعتماد على الصادرات وتعزيز الطلب المحلي على حسب الطلب الخارجي، لا سيما أن النمو الصيني قد تضرر كثيرا من الركود الذي أصاب الاقتصادات المتقدمة عقب الأزمة.
إلا أن دعوات الإصلاحيين تستدعي ان تقوم الصين بتخفيف قبضتها على نظامها المالي، و”تحرير” سعر الصرف والسماح لاسعار الفائدة بالارتفاع بما يحقق للمودعين عوائد اكبر لحثهم على الانفاق، وهو ما لم يلق آذانا صاغية لدى صناع القرار، فرأوا في تدويل اليوان مدخلا للانفتاح الاقتصادي، وهو خيار اتفق عليه الطرفان.
في الواقع، إن توجه الصين هذا لم يأت كاستجابة لدعوات الإصلاحيين، ولا سيما وان الدعوات تلتقي مع مطالب الولايات المتحدة الاميركية بأن ترفع الصين قيمة عملتها، بل لأن صناع القرار ادركوا حجم المخاطر الهائلة التي تواجه الاقتصاد الصيني في حال استمر الوضع على ما هو عليه. لكن ما يريده الصينيون اليوم هو الحفاظ على حجم صادراتهم، وبالتالي الإبقاء على سعر صرف منخفض، وفي الوقت نفسه تحفيز الطلب المحلي، وهو ما يستدعي ارتفاع سعر الصرف لتعزيز القدرة الشرائية لدى المواطنين.
أمام هذه المعضلة، اقام الصينيون ما يشبه حقل الاختبار في هونغ كونغ. وقت فتحت الصين المجال أمام عدد من مقاطعاتها لاعتماد اليوان في تداولاتها التجارية مع هونغ كونغ. لكن النتيجة جاءت على عكس ما يشتهي الصينيون، إذ بات لليوان سوقان موازيان، الأول في الصين (المركز) حيث تتحكم السلطات بسعر صرفه المنخفض، والثاني في هونغ كونغ ذات قيمة أعلى نتيجة الطلب المرتفع عليه من قبل  المضاربين الأجانب.
في الواقع، يقيد هذا الهامش بين سعري صرف اليوان بين المركز وهونغ كونغ جهود الصين لخفض احتياط المركزي الصيني من الدولار، وذلك لسبب بسيط هو تضارب المصالح بين الموردين والمصدرين. فما حصل هو ان الموردين اتجهوا نحو هونغ كونغ للتداول مع الشركات الاجنبية للاستفادة من ارتفاع سعر صرف اليوان هناك (وهو ما يبرر ارتفاع  الودائع باليوان في هونغ كونغ)، فيما واصل المصدرون الذين يحصلون الدولارات شراء اليوان من البنك المركزي الصيني للاستفادة من سعر صرفه المنخفض، ما رفع بالتالي من احتياطات البنك المركزي من الدولار بدلاً من تراجعها كما تشتهي السلطات. وهو ما يعزز من الخسائر المختلفة التي قد يتكبدها البنك المركزي في حال قررت السلطات تحرير (أو تعويم) اليوان، هذا من دون ذكر الضغوط التضخمية الناجمة عن ذلك.
هذه التكلفة ما زالت طفيفة نسبياً ويمكن للسلطان تحملها اذا من انحسرت التجارب في هونغ كونغ. لكن اذا ما ارادت الصين تدويل عملتها فالتكلفة ستكون باهظة من دون تبني إصلاحات اقتصادية ومالية جذرية. لذلك، نرى الصينيين اليوم يتريثون في خيار تدويل اليوان.
لقد حاول الصينيون الخروج مما يعرف بـ”دوامة الدولار” التي أوقعهم فيها نموذجهم الاقتصادي، فوقعوا بدوامة اخرى غير منتظرة دفعتم اليها محاولات تدويل اليوان. عادة ما يكون خيار تدويل العملة باكورة الإصلاحات المالية، لكن الصين إراداته ان يكون مدخلها. لكن على الرغم من ذلك، من الخطأ التقليل من قدرة الصينيين على الابتكار وإيجاد الحلول. فعلى العكس من القادة الأميركيين والأوروبيين الذي يحترفون خلق المشاكل، يعرف الصينيون كيف يجتزئون الحلول.
على أي حال، لم يرد الصينيون من تجربتهم هذه في هونغ كونغ إلا تقييم نتائجها. والنتيجة في رأي ان الصين قد تنجح في تدويل عملتها، وقد يزاحم اليوان العملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو (اذا بقي) والجنيه الاسترليني والين، لكن ليس في المدى القريب، كما أنه بالتأكيد لن يستبدل الدولار في المستقبل  المنظور.

*عضو مجلس إدارة معهد التمويل الدولي ومجموعة بريتون ووذر العالمية في واشنطن.

مقالات ذات صلة

السوق مفتوح المؤشر 1859.62 0.14%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock