ترجمات

هل تنجح “دبلوماسية الكمامات” الصينية في كسب قلوب العالم العربي؟

كايل حداد-فوندا* -(ريسبونسيبل ستيتسكرافت) 30/3/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تخلفت جهود بكين لتشجيع العرب على تبني الثقافة الصينية كثيراً عن المكاسب السياسية التي حققها قادة الصين في الشرق الأوسط. وقد مرت الآن ثلاث عشرة سنة منذ أن أعلن الرئيس الصيني آنذاك، هو جينتاو، عن حاجة الصين إلى تعزيز “قوتها الناعمة”، وافتتح سلسلة من الصفقات رفيعة المستوى لجلب البرامج التلفزيونية الصينية، والخدمات الإخبارية، والمنشورات، والأحداث الثقافية إلى المتلقين في الشرق الأوسط. وبعد أكثر من عقد، ما يزال من المبرر أن يتساءل المرء عما إذا كانت هذه الحملات قد فعلت أي شيء على الإطلاق لتبديد الشكوك حول الصين بين العرب العاديين.

  • * *
    عندما خطا فريق من سبعة خبراء صينيين في الأمراض المعدية، وهم يرتدون أقنعة الوجه وسترات حمراء متماثلة، على مدرج المطار في بغداد في وقت متأخر من مساء يوم 8 آذار (مارس)، كانت وسائل الإعلام الصينية التي تديرها الدولة متواجدة هناك بكاميراتها.
    وبينما توقف الوافدون الجدد لالتقاط الصور الرسمية مع وزراء الحكومة العراقية، رفع أعضاء “لجنة الصداقة العراقية-الصينية” لافتة ثنائية اللغة، والتي يعربون فيها عن شكرهم للصين على إرسالها المساعدة للعراق في وقت الضيق. وفي الأيام القليلة التالية، تم عرض مقتطفات من الحفل المصمم بعناية، بشكل متكرر، على القناة العربية في شبكة التلفزيون العالمية الصينية.
    يشكل التزام بكين الذي يحظى بتغطية إعلامية كثيفة بمساعدة العراق في مكافحة جائحة “كوفيد-19” المميت جزءاً من استراتيجية أكبر، هي “دبلوماسية الأقنعة”، التي تهدف إلى تحويل كارثة اقتصادية في الأساس إلى انتصار في العلاقات العامة. وقبل شهر واحد فقط، بدا من المرجح أن تتلوث السمعة الدولية للصين بسبب الانتشار العالمي للمرض الذي نشأ داخلها. لكن قادة الصين، القادرين اليوم على التفاخر بأنهم تمكنوا من احتواء الفيروس في الوطن، أصبحوا ينظرون إلى الوباء الآن على أنه فرصة لكسب المشاعر الطيبة والنوايا الحسنة تجاه بلدهم حول العالم.
    في الشرق الأوسط، حيث اعتمدت دول كثيرة على المساعدات الأميركية منذ فترة طويلة، فإن مساعدة الصين جديرة بالملاحظة بشكل خاص. وقد أرسلت الصين بالفعل -أو أنها تخطط لإرسال- حمولات طائرات من الإمدادات الطبية إلى كل دولة في المنطقة تقريباً. وكانت إدارة ترامب قد انتقدت الصين لأنها تركت الفيروس يخرج عن نطاق السيطرة، لكنها لا تمتلك القدرة -ولا لديها الميل- إلى مضاهاة سخاء الصين، في مواجهة النقص الحاد في الإمدادات الطبية الذي تعاني منه في الوطن.
    يظهر الاختلاف في النهجين الأميركي والصيني أوضح ما يكون في إيران، وهي الدولة التي أصيبت بنيتها التحتية الطبية بالشلل بسبب العقوبات الأميركية. منذ أواخر شباط (فبراير)، أرسلت الصين كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية إلى طهران.
    وفي أماكن أخرى في الشرق الأوسط، أبرز بعض المسؤولين الحكوميين مسألة المقارنة بين المساعدة التي قدمتها واشنطن وتلك التي تقدمها بكين. وعلى سبيل المثال، في بيان رسمي تم تداوله على نطاق واسع لاحقاً في وسائل التواصل الاجتماعية باللغة العربية، رأى وزير الصحة العراقي، جعفر علاوي، أن “الصين أرسلت إمدادات طبية وأفضل خبرائها إلى العراق، في حين أن أميركا لم تقدم لنا زجاجة (دواء) واحدة”.
    لكن المساعدات الإنسانية الصينية للشرق الأوسط تتعلق بما هو أكثر بكثير من مجرد الرغبة في إحراج الولايات المتحدة، ويفوت المعلقون الذين يركزون على هذا التنافس الجيوسياسي وحده سبب وأهمية “دبلوماسية الأقنعة” التي تنتهجها بكين. فعلى الرغم من أن فيروس كورونا يقدم فرصاً للصين، إلا أن من المعيقات الخطيرة لجهود الدولة أن يتم ربطها بفيروس قاتل -خاصة واحد يؤدي افتراض أن أصله نشأ في سوق صيني للحوم الغريبة، إلى تعزيز الصور النمطية واسعة الانتشار عن الثقافة الصينية.
    مثل المناطق الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، ساهم العالم العربي بحصته من الأحداث الأخيرة التي استهدف فيها أشخاص غاضبون أناساً عاديين ينتمون إلى الإرث الصيني أو الأجناس الآسيوية الأخرى. وقد وقعت بعض فصول هذا الاستهداف الأكثر انتشاراً في المغرب، حيث يشك بعض الخبراء في أن الفيروس انتشر بشكل رئيسي عن طريق الزوار القادمين من أوروبا. وقد ألقت الشرطة المغربية في مدينة فاس القبض على امرأة قامت في أوائل شباط (فبراير) بتصوير فيديو حقق انتشاراً هائلاً على وسائل التواصل الاجتماعية، والذي يتهم مطعماً صينياً محلياً بنشر الفيروس. وبعد أربعة أيام، ألقت الشرطة في مكناس القريبة القبض على رجل مغربي آخر بسبب تصويره مقطع فيديو يُحمِّل سائحاً صينياً المسؤولية عن نقل الفيروس إلى تلك المدينة. وتم على مواقع التواصل الاجتماعية المغربية تداول مقطع فيديو آخر يظهر المتسوقين في الرباط وهم يصرخون “كورونا” على مجموعة من السياح الآسيويين.
    كما تتصاعد التوترات أيضاً في مصر التي تضررت بشكل خاص من فيروس كورونا. في مطلع آذار (مارس)، أجبر سائق سيارة أجرة في القاهرة رجلاً صينياً على النزول من سيارته بعد أن سعل؛ وبينما كان الرجل يشير بلا طائل لإيقاف سيارة أخرى على الطريق الدائري المزدحم بالقاهرة، طارده مصريان آخران وصرخا على المارة الآخرين طالبين منهم أن “يهربوا من الكورونا”.
    مع انتشار الفيروس في الأسابيع الأخيرة، أصبحت العبارات التي تعبر عن مشاعر معادية للصين أكثر شيوعًا. يوم الخميس قبل الماضي، انفجرت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية بالتكهنات بعد أن ظهرت تقارير تفيد بأن أحد سكان القاهرة الجديدة اتصل بالشرطة للإبلاغ عن عائلة صينية تقوم بشواء الثعابين. وحولت التغطية الإخبارية الحادث إلى قصة من قصص الإثارة كبيرة، مستفيدة من مخاوف واسعة النطاق من الأذواق الغذائية الغريبة للشعب الصيني.
    وصل الأمر إلى سعي صحيفة “الدستور” المصرية اليومية إلى إجراء مقابلات مع تجار مصريين يبيعون الكلاب والزواحف لمشترين صينيين، محليًا وخارجيًا. وحرصت “الدستور” على الإشارة إلى عدد من الأمراض المختلفة التي يمكن أن تنتقل عن طريق تناول حيوانات غير عادية، وخاصة الخفافيش والثعابين -ليس فقط فيروس كورونا المسبب لمرض “كوفيد-19″، وإنما أيضا فيروس لاسا وفيروس الإيبولا وفيروس هانتا وفيروس هيندرا. وأعطت قصة الأسرة الصينية التي تأكل الثعابين في القاهرة الجديدة زخماً جديداً للشائعات التي تغص بها وسائل التواصل الاجتماعي باللغة العربية منذ شهور، والمصحوبة في بعض الحالات بمقاطع فيديو مروعة تعرض مشاهد لأكل الحيوانات الحية.
    ليس التنمر على الأفراد الآسيويين ولا التكهنات المنتشرة حول تفضيلات الطهي الصينية فريدة من نوعها بأي حال من الأحوال في الشرق الأوسط. ولكن، يبقى من الجدير بالملاحظة حقيقة أن الأفراد العرب استمروا في التعبير عن شكوكهم بشأن وجود الصين في مجتمعاتهم -حتى مع محاولة الحكومات العربية طلب المساعدة من الصين.
    تشكل هذه الثنائية المتعارضة تذكيراً بأن جهود بكين لتشجيع العرب على تبني الثقافة الصينية تخلفت كثيراً عن المكاسب السياسية التي حققها قادة الصين في الشرق الأوسط. وقد مرت ثلاث عشرة سنة منذ أن أعلن الرئيس الصيني آنذاك، هو جينتاو، عن حاجة الصين إلى تعزيز “قوتها الناعمة”، وافتتح سلسلة من الصفقات رفيعة المستوى لجلب البرامج التلفزيونية الصينية، والخدمات الإخبارية، والمنشورات، والأحداث الثقافية إلى المتلقين في الشرق الأوسط. وبعد أكثر من عقد، ما يزال من المبرر أن يتساءل المرء عما إذا كانت هذه الحملات قد فعلت أي شيء على الإطلاق لتبديد الشكوك حول الصين بين المواطنين العرب العاديين.
    ثمة قضية أخرى ما تزال تلحق الأذى بمكانة الصين في الشرق الأوسط، هي المعاملة القمعية التي تمارسها السلطات الصينية للمسلمين الصينيين، وخاصة أقلية الأويغور في منطقة شينجيانغ شمال غرب الصين. منذ العام 2015، كانت بكين فعالة للغاية في منع حكومات الدول الإسلامية من التحدث عن محنة المسلمين الصينيين. وبالنسبة للعديد من القادة العرب، كانت التكاليف الاقتصادية المحتملة للانتقاد والتحدث بصراحة ستكون عالية للغاية.
    ولكن عندما تكون الحكومات العلمانية غير قادرة على التعبير عن المخاوف التي يعبر عنها الناس العاديون على نطاق واسع، فإن هذه المخاوف تجد طريقها إلى التعبير عن نفسها بطرق أخرى. وبناء على ذلك، كان المعارضون الإسلاميون أو جماعات المعارضة أو التمردات هم الأكثر استعداداً في العادة للتعامل بعداء مع الصين واستعدائها.
    فاقم فيروس كورونا الغضب المكبوت بين المواطنين العرب من السياسات الدينية الصينية. ومنذ أوائل شباط (فبراير)، تحتفل المنشورات الصادرة عن تنظيم “داعش” بالفيروس باعتباره انتقاماً إلهياً من المعاملة القمعية التي تمارسها الحكومة الصينية ضد سكانها من المسلمين الأويغور. كما أعلن رجل دين تونسي بارز يعيش في فرنسا أن “الفيروس جندي في جيش الله” والذي أُرسِلَ لمعاقبة الصين.
    وقد امتدت هذه الفكرة، إلى حد ما، لتشمل طرفي القسمة السنية-الشيعية. في شباط (فبراير)، ادعى الباحث الشيعي العراقي المقيم في إيران، هادي المُدرِّسي، أن الله كان يستخدم الفيروس لمعاقبة الصينيين. وأكد أنه بما أن السلطات الصينية منعت المسلمات من ارتداء الحجاب وتغطية وجوههن، فإن الله يجبر الصينيين الآن على تغطية وجوههم بالأقنعة رغماً عنهم. (جاءت فحص الكشف عن كورونا عند المُدرسّي نفسه في وقت لاحق إيجابية).
    على الرغم من أن قادة الصين لا يعتبرون هذه الانتقادات مشروعة بوضوح، إلا أنهم يدركون المشاعر الكامنة المعادية للصينين التي تعكسها. وليس من المفاجئ عندئذٍ أن يؤكد خطاب الصين حول المساعدات المتعلقة بفيروس كيرونا على ثيمات عالمية، مثل فكرة أن الفيروسات يمكن أن تصيب أي شخص وأنها لا تحترم الحدود الدولية. ولكن، بينما يتمكن الناس في جميع أنحاء العالم من السيطرة في الأشهر القليلة المقبلة على النطاق الكامل للدمار الذي يسببه وباء “كوفيد-19″، يُحتمل كثيراً أن يكتشف المسؤولون الصينيون أن المساعدات الإنسانية ليست كافية في حد ذاتها للإبقاء على سمعة بلادهم متماسكة.

*زميل في جمعية السياسة الخارجية؛ حيث يشارك في إنتاج سلسلة PBS الوثائقية المعنونة “القرارات الكبرى”. حاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة أكسفورد. وهو معلق دائم على علاقات الصين بالشرق الأوسط، ظهرت مقالاته في منشورات مثل “تقرير الشرق الأوسط”، و”ملف الصين” و”فورين بوليسي”، ومطبوعات ومواقع أخرى.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Can Beijing’s mask diplomacy win hearts and minds in the Arab world?

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock