تحليل إقتصادي

هل ستتمكن تيريزا ماي من تشغيل عجلة الأعمال البريطانية مجددا؟

ترجمة: ينال أبو زينة

أعربت تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية، عن نوايا إجراء تغييرات جذرية في اتجاهات الحكومة المحافظة عندما حددت أجندتها الاقتصادية. وقد كانت إقالة جورج أسبورن بمثابة دليل واضح على أن سياسة التقشف أصبحت جزءاً من كتب التاريخ ليس إلا.
وبينت ماي أنها تشعر بالإحباط إزاء الإفتقار للسياسة الصناعية، بينما اعترفت أيضاً بأن العُمال عبروا عن غضب عارم من الطريقة التي يدفع فيها مدراء الشركات التنفيذيين لأنفسهم مرتبات ضخمة، في حين يتجاهلون مشاكل المجتمعات المحلية ومطالب المساهمين.
وفي كلمة لها، رددت العديد من النقاط التي أشار إليها إد ميليباند من حزب العمال في انتخابات العام الماضي، قالت ماي: “نحن بحاجة لإصلاح الاقتصاد بغية السماح للمزيد من الناس بمشاركة ازدهار ورخاء البلاد. ونحتاج إلى العودة بالناس إلى السيطرة على زمام حياتهم بأنفسهم. ونحتاج إلى تقديم مزيد من الفرص لمزيد من الناس أيضاً، كما ونحتاج إلى الصرامة في التعامل مع السلوكيات غير المسؤولة في الأعمال التجارية الكبرى”.
ومع ذلك، فسيكون هناك تخفيضات لمستويات الرفاهية المناطة بالميزانيات حتى العام 2020، كما وعلى المجالس التي تتعرض لأشد الضغوطات أن تتوقع القليل من المستشار فيليب هاموند. وعلاوة على ذلك، يتماشى دعم ماي للجهود المنسقة، الرامية إلى الدفع بقاعدة المهارات البريطانية والقدرة الإنتاجية إلى الأمام، بشكل كبير مع نهج أوسبورن السابق. ولكن الأمر الذي سيميز إدارتها عن الإدارات المُتبعة في السنوات الست الماضية، هو المزيد من العمل المباشر، وفقاً للخبراء.
ولكن، هل ستجيز ماي جمع 100 مليار جنيه استرليني أو أكثر في شكل سندات بنية تحتية تدعمها الحكومة؟ وهل تنوي إقرار قوانين جديدة تعزز آلية تقييد الأجور التنفيذية، مع تنفيذ عقوبات بحق هؤلاء الذين يخالفونها؟ في هذا الخصوص، يقول رئيس معهد المدراء، سايمون ووكر، أنه يود من الشركات أن تستجيب لتحذيرات ماي وأن تنفذ روح مطالبها دون إنتظار التشريع: “تحتاج الأعمال التجارية إلى العمل سريعاً، لأن القوانين المفروضة على ذلك عادةً ما تكون لها نتائج عكسية”. وفي التالي المجالات الرئيسية التي طرحتها ماي كمركز لرؤيتها الاقتصادية.
السياسة الصناعية
وضعت ماي السياسة الصناعية بين يدي غريغ كلارك، الذي يترأس وزارة الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية. وفي الحقيقة، يتمتع كلارك بسمعة المشغل الذكي، لكنه ليس بالمعروف كثيراً خارج حدود وستمنستر.
وبطبيعة الحال، هناك مجال واسع لتنسيق الجهود بين كلارك وهاموند ومحافظ “بنك إنجلترا” ، مارك كارني، للبدء ببرنامج إنشاء بنية تحتية وطنية، وذلك بالاستعانة بالأموال المُقتَرضة من “ثريدنيدل ستريت” عند فائدة مخفضة للغاية. وبموجب هذا المخطط، الذي يتم تداوله في الأحاديث والنقاشات داخل وستمنستر، يمكن اقتراض ما يزيد عن 100 مليار جنيه استرليني من أجل تحسين بنية الشوارع والسكك الحديدية، فضلاً عن توليد الطاقة والبنية الرقمية.
وفي هذا السياق، يقول السير كيث بورنيت، نائب عميد جامعة شيفيلد وعضو مجلس العلوم والتكنولوجيا الذي يتقدم بالتقارير إلى رئيس الوزراء: “إذا ما سألت شركة عن احتياجاتها، فإنها الطلبات. فبمجرد أن يتلقوا طلباً، سيطبقون بديهياً تدريبات الموظفين ويطورون التكنولوجيا والعمليات التي سيحتاجون إليها. إنها طلبات الجودة العالية التي يفتقدونها”.
ويوضح بيرنت أن هناك مساحة لوفورات ضخمة إذا ما تمكنت ماي من مواجهة النفور الحكومي من تمويل الدولة.
كثيراً ما تدفع المملكة المتحدة ضعف ما يلزم للبنية التحتية، بحيث تتصرف كمستهلك بائس الأوضاع يستوجب أمره شراء الأثاث بالتقسيط، وفقاً لبيرنت. “لماذا يا إلهي ندخل شراكات مع متعاقدي القطاع الخاص، الذين لديهم يد وساق في فوائد الديون وتكاليف الخدمة، عندما تستطيع الحكومة تمويل المشاريع بالأموال المُقتَرضة مقابل لا شيء تقريباً في أسواق الدين العالمية؟”.
ولم ينته بيرنت عند ذلك وحسب، فقد أشار إلى أن سعر الفائدة على قروض حكومة بريطانيا انخفضت إلى أدنى مستوى لها في التاريخ، في الوقت الذي يسعى فيه المستثمرون إلى إيجاد ملاجئ آمنة لأموالهم.
ويمكن لتدريبات المهارات أن تُعزز أيضاً عبر ضخ المزيد من الأموال فيها. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ضرب أوسبورن الشركات التجارية بفرض رسوم على التلمذة الصناعية “التدريب المهني”، الأمر الذي حذر منه النقاد بأنه ضريبة على فواتير الأجور، وذلك بغية جمع مبلغ 11,6 مليار جنيه استرليني على مدى السنوات الخمس المقبلة. وكان يفترض بهذه الضريبة أن تدفع مبلغ 3 ملايين جنيه لبرامج التدريب المهني على مدار البرلمان. ويمكن لمزيد من الأموال القادمة من “وكالة تمويل المهارات” أن تدعم هذا الأمر، أو ربما يتم الأمر من خلال تفويض أكبر من ميزانيات التدريب الخاصة بالمجالس المحلية.
تمثيل العامل
لطالما جادل رواد الأعمال البريطانيون بأنهم يجب أن يتمتعوا بكامل الحرية لاتخاذ قرارات سريعة وحازمة، وذلك دون إشراك ممثلي العمال. ولكن، إذا ما كانت خطة التعبير عن العمال في مجالس الإدارة تمضي قدماً، يمكننا أن نحتذي بالكثير من النماذج التي تزخر بها القارة العجوز.
فالدانمرك، على سبيل المثال، تطلب ممثلا عن العمال إذا كانت الشركة تحوي 35 موظفا أو أكثر، بينما يجب أن تصل عتبة الموظفين إلى 300 في النمسا حتى يمثلهم شخص واحد. ومن جهتها، تضع فرنسا الحد الأدنى لتمثيل العمال عند 1000 موظف.
وهناك الكثير من التقارير التي تدعم وجهة نظر أن القرارات الاستراتيجية، التي تُتخذ في مجالس الإدارة، ستمسي أفضل بمشاركة ممثلي العمال. وفي هذا الخصوص، يقول مات لورانس، باحث في مؤسسة “إيبر” الفكرية، أنه لمن المهم إبطاء عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتجنب “الاعتداد برأي المجموعة الإدارية فقط”. موضحاً أنه: “لمن المفيد أن تضع الشركات بعض الوقود في العجلات التي تتيح متسعاً من الوقت للتفكير. وعادة ما يقود التبسيط والتحرك السريع إلى إتخاذ قرارات سيئة”.
من جهتها، تقول ماي: “ينبغي بمن يشغلون الشركات الكبرى أن يكونوا مسؤولين أمام الغرباء، إلى المدراء غير التنفيذيين الذين يفترض بهم أن يسألوا الأسئلة الصعبة، وعليهم أيضاً التفكير بالمدى الطويل إلى جانب الدفاع عن مصالح المساهمين. ومن الناحية العملية، فهم يأتون من الدوائر الاجتماعية والمهنية الضيقة نفسها التي تأتي منها فرق المدراء التنفيذيين –كما شاهدنا مراراً وتكراراً- لكنهم لا يوفرون التمحيص الجيد بما يكفي”.
لقد بقيت هذه القضية قضية جدلية لسنوات: إذا ما كان سيتم إضفاء طابع مهني غير تنفيذي أم لا، وكيفية توسيع نطاق الأفراد الذين يتقدمون للحصول على هذا الدور. وبطبيعة الحال، هناك آلاف من هذه الوظائف، من أمناء صناديق المعاشات التقاعدية إلى مدراء المدارس، حيث طرحت مثل هذه الأسئلة دون أية إجابات واضحة، وعلى صعيد متصل، تقول نيدا بروتون، كبيرة الاقتصاديين في “مؤسسة السوق الاجتماعية”، أن ماي أظهرت افتقارها لخبرة الشركات من خلال طرحها الأسئلة بهذه الطريقة الساذجة.
وبالمثل، سيكون من الصعب فرض ممثل عن المستهلكين في المجالس التي تبيع فيها شركة منتجاتها لشركة أخرى فقط؛ ولكن، في الوقت نفسه، سيبدوا استهداف تجار التجزئة والشركات الأخرى التي تتاجر مباشرة مع المتسوقين العاديين فقط أمراً غير عادل.
قوانين الشركات الأكثر صرامة
وعدت ماي بشن حملة على التهرب الضريبي بحق الأفراد والشركات المتهربة آتية على ذكر “أمازون” و”جوجل” و”ستاربكس”، لكونها بحسب رأيها شركات “تتحمل مسؤولية دفع ضرائبك”.
وقد اجتمع مدراء “جوجل” التنفيذيون بالوزراء 25 مرة على مدى 18 شهرا قبل الاتفاق، في مطلع هذا العام، على دفع 130 مليون جنيه استرليني لتغطية 10 سنوات من الضرائب، من العام 2005 حتى العام 2015. وبينت البيانات المالية، التي نشرت في كانون الثاني (يناير) أن مبيعات “جوجل المملكة المتحدة” زادت بنسبة 16 %  إلى 9 مليارات دولار، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، ما يقدم معدل ضريبة فعلي يراوح الـ3 %.
ومن دون اتخاذها موقفا أكثر صرامة بشأن الأمر مثل التي اعتمدته الإدارتان الإسبانية والفرنسية، لن تحرز ماي على الأغلب مثل هذا التقدم.
وتحرص ماي أيضاً على الوقوف في وجه التحركات الخارجية حيث التهرب الضريبي هدف منشود. “لن توقف الاستراتيجية الصناعية المناسبة تلقائياً بيع الشركات البريطانية لصالح الخارجية، ولكنها ينبغي أن تملك القدرة على التدخل لحماية قطاع بأهمية قطاع المستحضرات الصيدلانية في بريطانيا”.
“الغارديان”

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1791.97 0.03%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock