أفكار ومواقف

هل سترتكب أميركا خطأ إستراتيجياً و تمهد للعدوان على إيران ؟

على الرغم من نفي الإيرانيين ، لما جاء في مقالة الصحفي الشهير سيمور هيرش في مجلة ” نيويوركر ” الواسعة الانتشار والتي مفادها ، أن قواتاً خاصة أميركية تسللت داخل الأراضي الإيرانية بحثاً عن منشآت نووية سرية تخفيها إيران عن أعين المراقبين الدوليين في هيئة الطاقة الذرية ، إلا أن ما كشفته المقالة هو الأهم ، فثمة واقع يتجاوز حدود النوايا ويكشف عن نفسه بالتحضير لعدوان جديد على إيران قد يطال حلفاءها أيضاً ويمهد من بين ما يمهد له إلى فوضى شرق أوسطية لا يعلم أحد بمداها وخطورتها .


 


    الحديث عن عدوان جديد على إيران ليس بالجديد ، فإسرائيل تلوح منذ احتلال بغداد وقبل ذلك بإمكانية قصف المفاعل النووي في بوشهر لما يمثله من خطر مستقبلي على مكانة إسرائيل تحت الشمس بحسب التعبير الشهير لبنيامين نتانياهو ، والولايات المتحدة والحكومة المؤقتة في العراق يشتكيان من التدخل الإيراني السافر في شؤون العراق كما جاء على لسان وزير الدفاع العراقي حازم الشعلان . وثمة أصوات عديدة في الولايات المتحدة الأميركية تدعو علناً إلى ضرب إيران وقلب الطاولة من فوق رؤوس ملالي إيران الذين ما ملّوا بعد من التجديف على الشيطان الأكبر ممثلاً بالولايات المتحدة الأميركية .


 


    في سياق لعبة شد الحبل وعض الأصابع بين الطرفين الأميركي والإيراني ، تأتي مقالة سيمور هيرش لتطرح على بساط البحث هاجس الأسئلة السياسية الكبرى : هل العلاقات الأميركية الإيرانية تسير إلى صدام لا بد منه ؟ ولماذا تضرب أميركا إيران ؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة الغائصة حتى الركب في الوحل العراقي أن تضرب إيران لتتورط في حرب جديدة في الوقت الذي لم تنجح فيه بخمد أوزار حربها السابقة على العراق ؟ وهل تتحمل الولايات المتحدة الأميركية التي تتهم بأنها تخطط في الخفاء لسايكس بيكو جديدة أو لأخطر من سايكس بيكو جديدة على حد تعبير الرئيس السوري بشار الأسد ، كل هذا النزيف في حال أقدمت على ضرب إيران ؟ ثم لماذا تضرب إيران ؟.


 


   على مسار عقد ونيف من الزمن ، وبالضبط مع بدء حرب الخليج الثانية التي أثبتت أن العرب ما يزالون في قعر برميل النفط والقول للمفكر العربي محمد جابر الأنصاري ، حدث تحول كبير في مسار إيران ، فقد انتقلت من الثورة إلى الدولة وكان منطق الدولة قد سبق منطق الثورة في حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق ،عندما أقدم نظام الملالي في إيران على استيراد السلاح من الشيطان الأكبر ممثلاً في فضيحة ” إيران ـ غيت ” وكان لهذا الانتقال آثاره الكبيرة ، فقدمت إيران دعماً لوجستياً للولايات المتحدة في حربها على العراق ، وذلك ضداً على النواب الإيرانيين الذين ينتمون إلى منطق الثورة والذين طالبوا بالوقوف إلى جانب العراق ، وأرسلت إيران ما بين 150ـ300 ألف من الحرس الثوري الإيراني وراء خطوط الجيش العراقي لضرب الجيش والتمهيد للثورة على النظام العراقي ، ومع بداية الألفية الجديدة والحرب على أفغانستان ، ركبت إيران قطار الزحف الأميركي على ما تبقى من أفغانستان من خلال الهزارة الشيعية ، وصرح رفسنجاني رئيس مصلحة النظام في إيران ، أن إيران قدمت دعماً لوجستياً لأميركا في حربها على طالبان . وقد أثار هذا ارتياب الكثير من السياسيين والاستراتيجيين ، إلا أن القراءة المتأنية أثبتت أن إيران لم تخرج بعد من شرنقتها الشيعية ، وهذا ما جعلها عاجزة عن التواصل مع الحركات الإسلامية السنية المتشددة التي ترفع راية العداء لأميركا والتي تمتد من الشيشان إلى مزار شريف إلى كشمير،والتي تلتقي معها على صعيد فكرة العدو المشترك على الأقل .وجاءت حرب الخليج الثالثة وسرعان ما تبين للقاصي والداني أن إيران جاهزة لركوب قطار الزحف الأميركي على بغداد للتخلص من العدو التقليدي صدام حسين ، على أمل سحب البساط من تحت أقدام رجال التحالف الأميركي ـ البريطاني . وهذا ما حدث بالفعل ، فلم تستطع إيران أن تتجاوز ما يمكن أن يطلق عليه ” فقه النكاية ” الذي أعمى بصيرتها السياسية وقلل من مجالها الحيوي السياسي فباتت محاصرة بأقدام الدب الأميركي من الشرق ومن الغرب معاً .


 


    على الرغم من اللهجة الواثقة والدفاعية التي اعتمدها وزير الدفاع الإيراني منذ فترة في رده على التساؤل إنه في حال أقدمت الولايات المتحدة على ضرب إيران فإن إيران سوف تستهدف العمق الإسرائيلي بصواريخها .أقول على الرغم من ذلك ، فإن واقع الحال بين الشيطان الأميركي وبين نظام الحكم في إيران ، لا يشهد تجاذباً حاداً يقود إلى العدوان حتى ولو من منظور الحرب الاستباقية التي قد تعتمدها الولايات المتحدة في دفاعها عن مستقبل إسرائيل . فواقع الحال السياسي يشهد تهدئة ، فقد سمحت إيران مؤخراً لفريق المفاوضين في وكالة الطاقة الذرية ،بدخول موقع بارشين العسكري الذي ترجح واشنطن احتواءه على نشاطات لتطوير أسلحة نووية، و هي ترجيحات سبق وان استخدمتها مع النظام العراقي السابق . كذلك النقلة المهمة في العلاقات الأميركية الإيرانية كما يمثله توقيع العقد مع شركة هالبيرتون النافذة في الولايات المتحدة والتي رأسها نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ، للتنقيب عن النفط في حقل فارس جنوب إيران ، أضف إلى ذلك الدور الإيراني الفاعل لإيران في العراق وتأثير ذلك على وضع الولايات المتحدة الأميركية .


 


    لا أظن أن ” تبادل الشتائم ” على حد تعبير أحدهم بين الشيطان الأكبر وإيران كاف لأن ترتكب أميركا خطأ استراتيجياً في حربها على إيران ، وهذا ما صرح به حميد رضا آصفي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية الذي قال في مؤتمره الصحفي الأسبوعي ” نعتقد أن فرصة شن هجوم عسكري أمريكي ضئيلة للغاية إلا إذا كان هناك من يرغب في ارتكاب خطأ استراتيجي كبير ؟.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock