أفكار ومواقف

هل ستطلب إيران ثمنا من الأردن؟

زرت بغداد، أكثر من مرة، مع أكثر من رئيس حكومة أردنية، وكنا جزءا من الوفود التي شاركت في المباحثات، وكانت ذات القضايا تتنزل كل مرة على مائدة البحث، من العلاقات الاقتصادية، مرورا بالمليارات التي يطلبها كل بلد من الآخر، وملف المعتقلين الأردنيين في العراق، وغير ذلك من ملفات حساسة.
دائما كانت هناك قوى سياسية عراقية تقف في وجه تطبيع العلاقات مع الأردن، وهي اما قوى كانت تحسب الأردن على صدام حسين، وتعتبره صدامي الهوى ولابد من معاقبته، واما قوى محسوبة على إيران كانت تشتد حملاتها ضد أي رئيس حكومة عراقية، يحاول الاقتراب من الأردن، وتريد العراق ان يبقى مجالا حيويا لإيران، وهذا يفسر ان اغلب الحكومات العراقية السابقة تجنبت التحسين الفعلي للعلاقات مع الأردن، برغم ان الأردن لم يتورط في دماء العراقيين.
الملك من دون كل الزعماء العرب والاجانب، زار العراق علنا ولمرتين، واحدة خلال العام 2008، وتم تأجيلها أكثر من مرة بسبب الوضع الأمني، والزيارة الأخيرة، وهي التي احتفى بها العراقيون بطريقة لافتة للانتباه، وهي زيارة جريئة، على المستوى الأمني الشخصي للملك، وعلى مستوى الدلالات السياسية.
في كل مرة يتم الحديث عن العقدة الإيرانية، في العلاقات مع العراقيين والسوريين، وإذا ما كان الايرانيون سيطلبون ثمنا من الأردن مقابل تطوير العلاقات، خصوصا في ظل الحسابات الإيرانية، وهي حسابات تشتد تعقيدا كل فترة، خصوصا، ونحن نرى تغيرات المشهد في العراق، من جهة، وإيران أيضا؟.
ربما الأردن اليوم، ولاعتبارات متعددة، من بينها علاقاته في الإقليم، بات يجد مناسبا، فتح كل البوابات الأخرى، دون حسابات معقدة، وهذا يفسر قدرة الأردن، على استقبال الرئيس المصري، في الوقت الذي يرسل فيه رئيس الوزراء الى تركيا، ويزور الملك بغداد في الوقت الذي يسعى لتحسين العلاقات مع السوريين، ولا يتخلى عن علاقاته التاريخية مع بقية الدول العربية، على الرغم من حساباتها الخاصة بها، إزاء بعض الدول السابقة.
لكن علينا ان نسأل اليوم، إذا ما كان الإيرانيون سوف يسمحون بتحسن العلاقات مع العراق، دون ان يفترضوا مسبقا، ضرورة وجود فاتورة لابد ان يدفعها الأردن للإيرانيين في المنطقة، وعلينا ان نقرأ بعمق التطورات على صعيد العلاقة الأردنية العراقية خلال الفترة المقبلة، لنفهم اذا ما كان الإيرانيون سيحاولون عرقلة هذه العلاقات، أم سيتركون مجالا للعراقيين لتحسين علاقاتهم العربية؟
من اكبر الخطايا السياسية في المنطقة، ترك العراق وحيدا، لإيران من جهة، وللجماعات الإرهابية، وقد ثبت ان هذه كوارث كبيرة، فلا يجوز من جهة ترك العراق ثم التلاوم حول هويته النهائية في الإقليم، ولا يمكن هنا إلا ان نقرأ دلالات زيارة الملك دون أن نقف عند تمكينه للعراق بهويته العربية من جهة، وحرص الأردن على مصالحه المباشرة، أيضا، وايصال رسالة لكل الإقليم ان الأردن لا يمكن ان يبقى محصورا ضمن ثوابت محددة في السياسة الخارجية، دون ان ترتد عليه إيجابيا، وبهذا المعنى يصير التغيير مطلوبا، والتخفف من المحاذير مهما، في ظل إقليم يتقلب من جهة، وفي ظل تحالفات غير منتجة، وحالة الخنق الاقتصادي التي يواجهها الأردن، ويتفرج عليها الجميع.
الملك هنا لا يدخل في معركة مع الإيرانيين، نيابة عن أحد، بقدر ترسيخه لخط الانفتاح على العراق، منذ العام 2003، وقد يكون مطلوبا من الإيرانيين أيضا، ان يغيروا طريقتهم، في التعامل مع الدول التي يعتبرونها تدور في فلكهم، بمعنى ترك المساحات للعراق وسورية من اجل تحسين علاقاتهم العربية، خصوصا في ظل الضغط على الخاصرة الإيرانية من واشنطن ودول نافذة في العالم.
الرسالة الأعمق التي يقولها الأردن عبر زيارة الملك الى بغداد، تقول إن للأردن كل الحرية في خياراته، ومن يغضب من هكذا تنويعات في السياسة الخارجية، عليه ألا يعترض فقط، بل يثبت اهليته لأن يكون أولا في حسابات الأردن الخارجية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock