اقتصادتحليل إقتصادي

هل ستغير جائحة كورونا الإقبال على قطاع الطاقة المتجددة؟

الدكتور أحمد هندم*

منذ أن بدأ فيروس كورونا بالانتشار انخفض الطلب على الوقود الأحفوري خاصة في ظل إجراءات الإغلاق الكلي أو الجزئي الذي يشهده الأردن وجل دول العالم، وسط توقف كثير من الصناعات على مستوى لم يشهده العالم بأسره منذ سبعة عقود وتوقعات بأن تُحدث هذه الجائحة تحولات جذرية تستمر لفترة أطول فيما يخص الوقود الأحفوري والتنامي الواضح في استخدام المصادر المتجددة والمستدامة.
الوكالة الدولية للطاقة قدرت بدورها تراجع إجمالي الطلب على الطاقة بنسبة 6 % في العالم كله، وهو ما يعني تراجع الانبعاثات المرتبطة بالطاقة التقليدية على وجه الخصوص بنسبة 8 % لعام 2020 الذي شارف على الانتهاء، كما توقعت الوكالة تراجع الطلب العالمي على النفط بنسبة 9 % والفحم بنسبة 8 % خلال هذا العام، في حين سجلت أسعار النفط الخام انخفاضًا غير مسبوق كما نتابع يوميا أو اضطرابا في الأسعار مرتبطا بأي تطورات لفيروس كورونا.
وأثناء جائحة فيروس كورونا اتخذت الكثير من الحكومات بما فيها الأردن تدابير شاملة للإغلاق الكُلي – الذي نعيشه في هذه الأيام- أو الجزئي، أفضت إلى تراجع هائل في الطلب على الطاقة الكهربائية يُقدَّر بنسبةٍ تتراوح بين 15 % إلى 30 % في بعض الدول، ما يعني توفر فائض من الطاقة المُتاحة يذهب سدى إذا لم يُحسن استغلاله.
ومع اندلاع جائحة كورونا سعى القائمون على إمدادات الطاقة في الدول العظمى من حكومات أو مستثمرين إلى الحصول على أرخص وأنظف مصدر لموازنة الطلب المنخفض ما أدى إلى ازدياد الطلب على المصادر المتجددة وانخفاض الطلب على الوقود الأحفوري الأكثر تلويثًا للبيئة والأعلى تكلفة خاصة لدولة مثل الأردن تستورد جل احتياجاتها من الوقود من الخارج “4.7 % فقط من الطاقة الأولية تنتج محليا”.
التفاعل بين التطور التكنولوجي وظروف السوق خلال فترة انتشار فيروس كورونا قاد إلى تحول أسرع بالنسبة لقطاع الطاقة خاصة في الدول العظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا، حيث تظهر النسب وفقا لإحصاءات رسمية صادرة عن هذه الدول انخفاض الطلب على الطاقة خلال أشهر الإغلاق الجزئي أو الكلي ونسبة ازدياد الطلب على الطاقة المتجددة خلال الإغلاق الكلي حيث زاد استهلاك الولايات المتحدة من الطاقة المتجددة بنسبة 40 % تقريبًا، وارتفع استخدام الهند منها بنسبة 45 %، كما سجلت إيطاليا وألمانيا أرقامًا قياسية جديدة في دمج الطاقة المتجددة في شبكات الكهرباء، وقد تخطى استهلاك الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة استهلاك الفحم للمرة الأولى منذ 130 عامًا وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، بينما سجلت المملكة المتحدة رقمًا قياسيًا في توليد الطاقة الشمسية في شهر نيسان (أبريل) الماضي، وكذلك الحال في إسبانيا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية.
وقدَّمت فترة الإغلاق الشامل والجزئي معطيات مهمة وجديرة بالدراسة حول التغير في الطلب وطريقة التحول نحو المصادر المُتجددة دون الإضرار بإمدادات الطاقة، كما فتحت آفاقًا أوسع أمام الاستثمار والابتكار بما يدعم تأسيس مستقبل أكثر استدامة وملائمة للبيئة وأقدر على مقاومة تغير المناخ.
ثلاثة توصيات مهمة أقدمها لثلاثة أطراف أعتقد أنها تلعب دورا مهما في انعاش قطاع الطاقة وزيادة فرص العمل في الأردن وهي على النحو التالي:
وزارة الطاقة
دعوة مهمة وانطلاقا من الحرص الشديد على مواكبة التطورات المهمة والدروس الجديدة من كورونا ووضع سوق الطاقة في العالم بأسره ينبغي إعادة النظر في الاستراتيجية الشاملة لقطاع الطاقة في الأردن (2020-2030) والتي لم تشر من قريب أو بعيد إلى جائحة كورونا بعكس الدول الأخرى التي بدأت بتغيير سياساتها وفقا للمعطيات الجديدة وتقييم انعكاس فترة الإغلاق الكلي أو الجزئي على قطاع الطاقة، وتشجيع استخدام الطاقة البديلة من أجل دعم وإدارة حصة أعلى من مصادر الطاقة المتجددة بفعالية.
الشركات والمستثمرون
يتعين على الشركات والمستثمرين لعب دور أكبر في تعزيز الاستثمار في الطاقة البديلة والنظيفة من خلال تشجيع سلاسل الإمداد مُنخفضة الانبعاثات الكربونية واغتنام الفرص في أسواق الطاقة النظيفة لتوفير فرص عمل وخفض معدل البطالة الذي أثقل كاهل الحكومة والمواطن على حد سواء، وأستشهد هنا بما صدر في تقرير “جامعة إمبريال كوليدج” البريطانية في شهر يونيو/حزيران الماضي، الذي أشار إلى أن أسهم الطاقة المتجددة لا تُقدِّم للمستثمرين عائدات إجمالية أعلى نسبة من الوقود الأحفوري فحسب، بل إنها تقدم أيضًا مُعدلات أقل في التقلبات السنوية وهو مؤشر مهم جدا بالنسبة للمستثمرين.
مجلس النواب
مجلس نواب جديد بدماء جلها جديد وأقرب ما يكون إلى سن الشباب ومواكبة العصر، ما يجعلنا نُعوّل كثيرا عليه في الضغط لإحداث تغير يلامس حاجة سوق الطاقة في الأردن اليوم في الاعتماد على نفسه في انتاج الطاقة، من خلال المناقشة الفاعلة والدراسة المستفيضة للقوانين الخاصة بالطاقة التي تحيلها الحكومة إلى مجلس النواب أو من خلال اقتراح عشرة نواب أو أكثر وفقا لصلاحيات المجلس لقانون يقلل من اعتماد الأردن على الوقود المستورد، وكذلك من خلال الرقابة على مشاريع الطاقة التي نُفذّت والتي ستُنفذ وما إن حققت مبتغاها وهل من عوائق تقف في طريقها؟ توصيات ثلاث لعلّها تلقى آذانا صاغية تساعد في تجاوز هذه الجائحة بل وتجعل الأردن أقوى مما كان خصوصا في مجال الطاقة.
*رئيس قسم هندسة الطاقة المتجددة في جامعة جدارا

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock