ترجمات

هل ستقوم تركيا بغزو شمال سورية حقاً؟

تقرير خاص – (أحوال تركية) 26/11/2022
شنت تركيا، خلال الأسبوع الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، سلسلة من الضربات الجوية ضد المسلحين الأكراد في شمال سورية، وحذرت من أن عملية برية في الشمال السوري سوف تتبعها قريبًا.
وجاءت العملية الجوية التي استهدفت الأكراد وتحذيرات الرئيس التركي التي تلتها بعد ثلاثة أيام من الانفجار الذي كان قد هز إسطنبول قبل أسبوعين، وأسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 80 آخرين. وألقى مسؤولون أتراك باللوم في التفجير على الانفصاليين الأكراد، وهو ما نفته الجماعات الكردية.
وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن هذه الضربات التركية كانت “مجرد البداية”، وإن القوات المسلحة التركية “ستطيح بالإرهابيين برًا في الوقت المناسب”.
وفي وقت سابق، كانت وزارة الدفاع التركية قد تحدثت عن إصابة 471 هدفًا، وأنه “تم تحييد 254 إرهابياً” منذ بدء الهجوم، الذي أطلق عليه اسم “عملية السيف-المخلب”، ولم يكن ممكنًا التحقق بشكل مستقل من عدد الضحايا.
لكن أردوغان ما يزال يتعهد بالتوغل في شمال سورية منذ أيار (مايو). وكان قد قال سابقًا إن الغزو سيهدف إلى إنشاء “منطقة آمنة” بعمق 30 كيلومترًا (20 ميلًا) يتم إفراغها من المقاتلين المتحالفين مع “حزب العمال الكردستاني”، وهو جماعة مسلحة أعلنتها تركيا والولايات المتحدة منظمة إرهابية.
وقال محللون إن أردوغان توقف عن تنفيذ تعهده بالغزو لأنه لم يحصل على الضوء الأخضر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تتمتع بلاده بوجود عسكري كبير في سورية. لكن المفاوض الروسي البارز، ألكسندر لافرنتييف، قال في تصريحات صحفية إن موسكو حاولت إقناع تركيا “بالامتناع عن القيام بعمليات برية واسعة النطاق”.
شملت المنطقة الشمالية السورية التي استهدفتها الضربات التركية ثلاث بلدات رئيسية، هي منبج، وتل رفعت، وكوباني، التي تخضع لسيطرة “قوات سورية الديمقراطية” التي يقودها الأكراد. وقد لعبت “قوات سورية الديمقراطية”، المدعومة من واشنطن، دورًا أساسيًا في القتال ضد “داعش” منذ العام 2014. لكن العمود الفقري لهذه القوات هو ميليشيا “وحدات حماية الشعب الكردية”، التي تعتبرها تركيا جناحًا لـ”حزب العمال الكردستاني” وتسعى إلى القضاء عليها.
وقال صالح مسلم، أحد قادة “حزب الاتحاد الديمقراطي”، وهو الحزب الرئيسي في منطقة الإدارة الذاتية شمال سورية، إن روسيا ربما تكون قد انقلبت أيضًا على الأكراد الآن. وبعد أن ظلوا على مدى عقد من الزمن يتمتعون بالحكم الذاتي، يخشى أكراد سورية من أن يتسبب التقارب الواضح بين دمشق وخصمهم، الحكومة التركية، في فقدان نمط حياتهم الذي اكتسبوه بشق الأنفس. ويوضح مسلم أن كل هذا يأتي بدعوة من روسيا التي تشجع مثل هذا التقارب.
قبل اندلاع الصراع في سورية، لم يكن مسموحا للأكراد البالغ عددهم نحو مليوني شخص بتعلم اللغة الكردية في المدارس، أو الاحتفال بمناسباتهم الثقافية. وبعد عام من اندلاع الانتفاضة السورية في العام 2011، انسحبت القوات الحكومية من مناطق في الشمال، مما مهد الطريق أمام “الإدارة الذاتية” التي يقودها الأكراد للتحكم في مؤسساتها الخاصة، ومنها مدارس يتم فيها تعلم اللغة الكردية.
لكن الكثيرين في ما تسمى “الإدارة الذاتية” يقولون إنهم قد يفقدون حقوقهم الجديدة إذا تصالحت الحكومة السورية مع تركيا -التي دعمت المعارضة في مواجهة الرئيس بشار الأسد منذ العام 2011 وتقوم بمهاجمة المناطق السورية التي يديرها الأكراد، والتي تعتبرها أنقرة تهديدا للأمن القومي التركي.
وقال سليمان أبو بكر (55 عاما)، أحد سكان المنطقة التي تديرها “الإدارة الذاتية”، إنه “إذا حدث هذا الاتفاق، فسيكون ذلك ضربة قاضية للإدارة الذاتية التي تأسست على أساس نظام المساواة والديمقراطية والحرية”.
وبدوره، يتحدث سونر كاجابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، عن مدى احتمالية التزام الزعيم التركي بتعهده هذه المرة. وكانت تركيا تقول إنها ستبدأ توغلها التالي منذ أشهر، فهل أصبحت تهديدات أردوغان اليوم مختلفة أو أكثر جدية؟
يقول كاجابتاي: “أعتقد أنه بالنظر إلى التوغلات التركية السابقة في شمال سورية، فإنه لا يبدو أن شيئًا ما يتقدم بسرعة هذه المرة. عادةً ما تأتي التوغلات التركية بعد يوم أو يومين من القصف عبر الحدود بضربات المدفعية والطائرات من دون طيار، ثم يتحرك الجيش. وهذه المرة، يستمر القصف المدفعي عبر الحدود وضربات الطائرات من دون طيار منذ أسبوع تقريبًا، ولم يكن هناك أي عمل أرضي. هذا يعني أن هناك شيئًا مفقودًا”.
– كيف ترى تعليقات الكرملين الأخيرة عن التوغل المحتمل؟ هل تراها كضوء أخضر؟
“عادة، عندما تذهب تركيا إلى شمال سورية، فإنها تحتاج إلى الحصول على الضوء الأخضر من قوتين عظيمتين متواجدتين عسكريًا في سورية، هما الولايات المتحدة وروسيا. لكن روسيا ليست منحازة. أعتقد أن روسيا تريد المزيد قبل أن تعطي الضوء الأخضر لتوغل تركي واسع النطاق. وما تريده روسيا هو أن تقوم الحكومة التركية في أنقرة بإشراك نظام الأسد والالتزام بإنهاء الحرب، كنوع من المصافحة العالمية. وبطبيعة الحال، سيستغرق هذا النوع من المناقشة أيامًا، إن لم تكن أسابيع وأشهرًا. لذلك أعتقد أنه حتى نرى هذا النوع من النقاش ينضج ويصل إلى نتيجة، فإن بوتين لن يعطي الضوء الأخضر لتوغل تركي”.
– بالنظر إلى الأهمية المتزايدة لتركيا بالنسبة للغرب وسط الحرب في أوكرانيا، هل من المرجح أن تغض الدول الغربية الطرف عن التوغل؟
لقد عارضت الولايات المتحدة عادة التوغلات التركية لأنها تستهدف “وحدات حماية الشعب”. لكن الولايات المتحدة اعتمدت على “وحدات حماية الشعب” لمحاربة “داعش”. ولذلك، لن تشعر بالسعادة أبدًا عندما تستهدف تركيا “وحدات حماية الشعب”.
لكن الأمور مختلفة هذه المرة. أولاً، الصورة الاستراتيجية الكبيرة آخذة في التغير. تحولت أهمية تركيا بالنسبة للولايات المتحدة مع تصغير السياسة الأميركية بشأن صحراء الشرق الأوسط، وتركيزها على السهوب الأوراسية، أو تصغير سورية وأوكرانيا.
ولذلك، فإن وجهة النظر الأميركية هي أن الأهمية الاستراتيجية لتركيا قد ازدادت. هذا هو التحول طويل المدى. وعلى المدى القصير، هناك أيضًا وجهة نظر تكتيكية في واشنطن، هي أن تركيا اعترضت على توسع “الناتو” بضم بلدان الشمال الأوروبي.
أعتقد أن أنقرة استفادت من أهميتها بشكل جيد من خلال إثارة الاعتراضات على انضمام السويد. وهكذا في الوقت الحالي، لا تريد واشنطن حقاً إثارة غضب تركيا. وأعتقد أن هذا ينطبق على جميع الحلفاء الرئيسيين في الناتو.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock