ترجمات

هل سيدعم ترامب أردوغان في قمة الناتو؟

إدوارد جي ستافورد – (أحوال تركية) 29/11/2019

كان يوم الخميس هو يوم عيد الشكر في الولايات المتحدة، والذي جاء قبل نحو أسبوع من بدء قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بريطانيا يوم الثالث من شهر كانون الأول (ديسمبر) المُقبل والتي تستمر يومين.
يعتبر الحدث الأول يوماً مناسباً للعودة إلى الوراء وإلقاء نظرة على ما شهدته السنة الأخيرة من تطورات على مسار العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، بينما يقدم الحدث الثاني فرصة للنظر في آفاق تحسن العلاقات بين أنقرة وواشنطن وغيرها من الحلفاء الآخرين في “الناتو”.
في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم تُكثر الولايات المتحدة في الحديث عن الوضع السياسي الداخلي التركي، ولم تقدم دعماً يذكر للمدافعين عن حقوق الإنسان الأساسية في تركيا.
ويتماشى ذلك تماماً مع السياسة الخارجية التي يتبناها ترامب وترفع شعار “أميركا أولاً”، والتي لا ترى أي مكاسب تعود من تدخل الولايات المتحدة في الساحات السياسية الداخلية للدول الأخرى. فإدارة ترامب لا تهتم بالوضع الاجتماعي السياسي الداخلي لأي دولة أخرى إلا عندما ترى في ذلك فائدة واضحة لما تعتبره مصالح أميركية.
في حالة تركيا، ما من شك أن الكثيرين سيرحبون بالدعم اللفظي الأميركي لحرية الصحافة وحرية التعبير وحقوق الإنسان الأساسية الأخرى. ومع ذلك، أظهر شعب تركيا في الانتخابات البلدية التي أجريت هذا العام أن له صوتاً مسموعاً، وأن هناك حدوداً لتسامحه مع المكائد السياسية التي تقوم بها النخب الحاكمة الحالية.
صحيح أن البيانات التي صاغها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لدعم فرز الأصوات بنزاهة ربما كانت مفيدة، إلا أن الشعب التركي -وليس الأصوات الأجنبية – له كامل الفضل في ضمان إجراء انتخابات نزيهة تعكس إرادة الناخبين.
على نفس المنوال، عندما اضطره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الاختيار بين حليف في ساحة المعركة، وهو وحدات حماية الشعب التي يهيمن عليها الأكراد بالكامل تقريبا، وبين تركيا الحليف القديم في معاهدة الناتو، اختار ترامب الصواب وآثر تركيا على وحدات حماية الشعب. وأدى ذلك إلى دخول الجيش التركي لشمال شرق سورية في الشهر الماضي، حيث أبعد وحدات حماية الشعب والفصائل التابعة له عن الحدود مع تركيا، الأمر الذي أثار غضب أعضاء الكونغرس الأميركي الذين اعتبروا الضوء الأخضر الذي أعطاء ترامب للهجوم بمثابة خيانة للقوات الكردية التي ساعدت في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وعلى الرغم من ذلك، حافظ ترامب على بعض الدعم لقوات سورية الديمقراطية (قسد) متعددة الأعراق، مؤكدا على التمييز بين تلك المنظمة ووحدات حماية الشعب، وهو أمر أقرب إلى الآمال والتطلعات منه إلى الواقع. فالقيام بذلك يخدم المصالح الأميركية ويهدئ من علاقات ترامب مع منتقديه في الكونغرس، وإن كانت الفكرة المطروحة بأن الجماعتين اللتين يقودهما الأكراد هما كيانان منفصلان تماما لا يصدقها إلا القليل.
من ناحية أخرى، وتمهيدا لاقتراب قمة الناتو، تواصل تركيا اتباع سياسة النأي بنفسها عن حلف شمال الأطلسي. فشراء أسلحة روسية وتوظيف مقاتلين غير نظاميين (بعضهم على صلة بالجماعات الجهادية) في سورية والتهديد بالتنقيب عن النفط قبالة قبرص وإلقاء اللوم على أوروبا “لعدم القيام بما يكفي” فيما يتعلق باللاجئين السوريين ومقاومة جهود الناتو الرامية لتعزيز التعاون مع الدول الشريكة في البحر المتوسط، كلها أمثلة على الممارسات التركية التي دفعت الأعضاء الآخرين في حلف الأطلسي إلى التشكيك في التزام تركيا بالقيم المشتركة ومبدأ الأمن الجماعي للحلف.
وحيث إن تركيا تنأى بنفسها عن حلف الناتو، وأبدت رغبتها في التركيز على العلاقات مع البلدان الواقعة في جنوبها وشرقها، فهل تستحق أنقرة مقعداً على مائدة الناتو؟ وهل تحولت من كونها حليفاً غير مريح إلى حليف مثير للجدل والخلاف وغير موثوق به؟ والأهم من ذلك، بالنظر إلى تشككه العلني في فوائد وتكاليف عضوية الناتو، هل سيعمل ترامب على دعم حلف الأطلسي والحفاظ عليه في الذكرى السنوية السبعين لتأسيسه؟ وهل سيشمل ذلك العمل على الإبقاء على اندماج تركيا في الحلف؟
بينما يركز ترامب على الإبقاء على مشاركة صديقه أردوغان، مما يخفف فعلياً من إجراءات الكونغرس الأميركي الموجهة ضد الرئيس التركي، يركز المتخصصون في السياسة الخارجية على إبقاء تركيا داخل التحالف. فهم يدركون أنه مع مرور الوقت قد تؤدي الدوافع الديمقراطية لدى الكثير من الأتراك إلى تبنيها القيم المشتركة لجميع الدول الأعضاء، وبالتالي تعزيز الأمن الجماعي للجميع.
ويرى كثير من المعلقين المتخصصين في السياسة الخارجية والشؤون الأمنية في الناتو أنه على الرغم من كل المتاعب التي يجلبها أردوغان في العلاقات مع الغرب، فإن تركيا وشعبها لا يستحقان إخراجهما من الحلف، ولن يكون من مصلحة الغرب أن يفعل ذلك.
ومن ثم، سواء كان ذلك إرضاء لغروره أم إصغاء لمستشاريه، من المرجح أن يستمر ترامب في حماية أردوغان من منتقديه. وفي قمة الأسبوع المقبل، ستتم ترجمة ذلك على الأرجح إلى التركيز على كبح أي هجمات عامة على مبادرات أردوغان بخصوص السياسة الخارجية مع السماح بإجراء محادثات صريحة ومباشرة على انفراد.
كما أنّه بعد المساعدة في عرقلة قرار يعترف بمذابح الأرمن في الإمبراطورية العثمانية باعتبارها إبادة جماعية، سيقنع ترامب أردوغان بقدرته على حماية تركيا من الانتقاد. ويظل السؤال مفتوحاً بشأن ما إذا كان بإمكان ترامب أن يجد بين قادة الناتو حليفاً شخصياً متعاوناً وداعماً له مثل السيناتور ليندسي غراهام، الذي عرقل القرار الخاص بالإبادة الجماعية في مجلس الشيوخ. وعلى الرغم من ذلك، من المستبعد أن يسعى أي زعيم من زعماء حلف الناتو إلى تعنيف أردوغان أو انتقاده علناً.
بناء على ذلك، وبصرف النظر عن الخطوات الكثيرة التي اتخذها أردوغان وتتعارض مع مصالح الناتو خلال العام الماضي، يمكننا أن نتوقع منه العودة من بريطانيا وهو يتفاخر بقدرته على حمل الأعضاء الآخرين في الحلف على معاملته، وبالتالي معاملة تركيا، باحترام.
من المؤكد أن الصحافة التركية، التي تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة، ستعلن أن أردوغان تفوق على نظرائه من رؤساء الدول الأخرى وضمن الاحترام الكامل لحرية تركيا في التصرف في علاقاتها مع روسيا وسورية وإيران وغيرها من منافسي الناتو.
ولكن، وفي الوقت نفسه، سوف يستمر القتال في سورية، وسيبقى اللاجئون في مخيماتهم، وسيظل الاقتصاد هشاً، ولن تُزال القيود المفروضة على حقوق الإنسان في الداخل، وسيظل آلاف المسجونين ظلماً قابعين في السجون التركية.

  • أكاديمي عمل في أقسام تابعة للشؤون الخارجية الأميركية ومتخصص في بالشأن التركي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock