أفكار ومواقف

هل سيدفعون المال حقا لوسط البلد؟

كشفت حملة التضامن مع تجار وسط البلد، عن روح جماعية بين الأردنيين، إذ إن الآلاف الذين ذهبوا إلى وسط البلد ورسموا مشهدا جميلا إلى حد كبير، فهذا شعب حي، وفيه خير عظيم.
لكن المشكلة تكمن في أن أغلب تجار وسط البلد يغلقون يوم الجمعة أساسا، باستثناء عدد قليل من المحلات التجارية، وإذا كان بعضهم قد استفاد ماليا وبشكل محدود، فإن الذين استفادوا فعليا كانوا الأشقاء الوافدين الذين يبيعون يوم الجمعة على الأرصفة وفي الطرقات الضيقة في وسط البلد وعلى أطرافها، وبهذا المعنى تصير القصة معنوية فقط.
خسائر تجار وسط البلد، مثل خسائر المزارعين في الأغوار، الذين تم تسييل مياه سد الملك طلال نحو مزارعهم، ومثلهم تجار العقبة الذين على وشك إعلان إفلاسهم، لكن خصوصية وسط البلد، ترتبط بكون المنطقة في العاصمة، وتعاني أساسا من الكساد الشديد، فوق أضرار الفيضانات التي شاهدها الجميع، ووقفنا مذهولين أمامها، وهي تتطابق مع صور الخمسينيات.
تقديرات خسائر تجار وسط البلد تتجاوز الستة ملايين دينار، وتشمل أكثر من مائتين وخمسين تاجرا حتى الآن، والواضح أنهم أمام أزمة من نوع ثان، إذ إن قصة التعويضات سوف تحتاج إلى وقت طويل من أجل البت فيها، ولن يتم حسم أمرها سريعا لاعتبارات كثيرة، وهذا يعني أن التجار سوف يعانون لفترة طويلة قبل أن تتم مساعدتهم، وقصتهم تتوزع بين القضاء وأمانة عمان والحكومة وغرفة تجارة عمان، وهذا بحد ذاته يوزع المسؤوليات.
رئيس الوزراء زار وسط البلد، مرتين، وهو لا يقول صراحة للتجار إن إحدى المشاكل ترتبط بمدى مصداقية المطالبات التي يتم التقدم بها، إذ إن القدرة على التشكيك بالأرقام المطلوبة واردة، وهذا يعني من جهة ثانية أن مطابقة الأرقام مع فواتير التجار الأساسية مع البضائع التالفة، عملية سوف تحتاج إلى وقت طويل للتأكد من المعلومات إضافة إلى عدم وجود ضمانات بكون كل سلعة تالفة تلفت فعليا خلال الفيضانات الأخيرة.
مصادر التعويض المالية قضية ثانية، فالكل يرمي بالمسؤولية على الآخر، ولا أحد يريد أن يتحمل المسؤولية، وتحديدا المسؤولية التي تؤدي إلى دفع المال لاحقا، وعلينا ان نسأل كيف سيتم دفع المبالغ، وهل ستكون من أمانة عمان، او من الخزينة، أو حتى بمساعدة من غرفة تجارة عمان، أو أي جهات أخرى في هذه القصة المؤلمة والتي تأتي في توقيت صعب؟
مبدأ التعويضات في الأردن مبدأ غير قائم، ويذكر كثيرون أن المزارعين في الأغوار ومناطق أخرى، كانوا يتضررون بسبب موجات الصقيع، وكانوا يطالبون الحكومات بتعويضهم، وكان التجاوب منخفضا لأن منطق الحكومة يقول ان المزارع لم يتخذ الإجراءات الوقائية لمنع الاضرار التي تعرض لها، وان أي تعويض هو مساعدة فعلية وليس اقرارا بالمسؤولية.
في كل الأحوال، هذا الملف حساس، وبحاجة إلى آليات واضحة، وتخصيص مبالغ مالية، ولو على الأقل من باب الدفع للتجار على أساس دفعات أولية لمساعدتهم، حتى يتم حسم كل الملفات بشكل نهائي، إضافة إلى أن الأصل هنا، تشكيل لجنة من عدة جهات، وتخصيص مبلغ مسبقا، من اجل تخليص التجار، من تقاذف كرة المسؤولية بين جهات كثيرة، وهي حالة ستؤدي إلى إطالة أمد الموضوع، اكثر مما يظن التجار ذاتهم، هذه الأيام.
آن الأوان ان تكون حادثة وسط البلد سببا لأمرين؛ أولهما إنشاء صندوق مالي للأزمات في الأردن من جانب الحكومة، بدلا من هذه الحالة التي يتهرب فيها الكل من المسؤولية، وهو صندوق يمكن تسييل أمواله في قضايا كثيرة تساهم فيه الحكومة وجهات ونقابات مختلفة، إضافة إلى ضرورة تذكر الحقيقة الأكثر سوادا، أي ان نكبة تجار وسط البلد لم تبدأ مع الفيضانات، بل بدأت قبل ذلك بسبب الديون والكساد، وان قصتهم ليست وحيدة، واذهبوا واسألوا عن حال القطاع التجاري في إربد والزرقاء والكرك والعقبة، وبقية مناطق المملكة!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock