;
تحليل إخباري

هل سينقرض الذكور في بلادنا؟

د. محمود أبو فروة الرجبي

يتحدث بعض الـمعلمين عن ظاهرة منتشرة في غالبية مدارس الذكور، وهي غياب الدافعية للإنجاز عند الطلبة، وعدم وجود أي حب للتنافس، أو الدراسة، وهذا عكس ما يحصل في مدارس البنات – عادة- والـمشكلة الأكبر هنا هي انتشار ظاهرة أخطر وهي سخرية الأولاد من الطلبة الجادين الناجحين والتي قد تصل إلى التنمر عليهم، مما يؤشر إلى أن غالبية الجيل الجديد قد يكون أصيب بحول قيمي بحيث إن الفشل هو المحبب، والنجاح هو الشذوذ، وأتذكر في هذا المقام أنني كتبت قصة استوحيتها من خلال مناقشاتي مع بعض الـمعلمين بعنوان «من يطارد الناجحين؟» ركزت فيها على التنمر الذي يناله الطالب المتفوق الجاد.
معلم آخر حدثني عن حجم السخرية التي يتلقاها الطالب الذي يناقش المعلم في مواضيع الدروس، وقد يصل الأمر إلى ضربه من قبل بعض الطلبة إذا أظهر مقدرة عالية على إدارة حوار راقٍ، واستخدم كلمات تدل على ثقافة عالية.
هذه مؤشرات خطيرة جدًا، أن يتحول أطفالنا إلى مجموعة من الغوغاء كارهي النجاح، ولها نتائج كارثية الآن وفي الـمستقبل، وإذا ربطناها على ما يحصل الآن في منصات التواصل الاجتماعي، من انتشار لمحتوى كراهية من قبل أشخاص يفترض أنهم ناضجون، وفي سن تجعلهم أكثر حكمة يصبح الأمر أكثر إقلاقا، ويحتاج من وزارة التربية والتعليم دراسة الظاهرة، لتحديد حجمها واقتراح الحلول لها، أما العالم الرقمي في الإنترنت فيحتاج إلى دراسة ثانية.
لو قمنا برصد ما يحصل من نقاشات، وتعليقات في عالم التواصل الاجتماعي، لوجدنا مجموعة من الناس تتنمر على الناجحين، وتصف من ينجر بأوصاف سيئة، في الـمقابل هناك تمجيد للفشل، وأحكام تطلق على الناس ليس بناء على انجازاتهم، وأخلاقهم، وقيمهم الجميلة، بل لأسباب غير مهنية، قد تكون لها أبعاد عنصرية، أو طائفية، أو مناطقية، تؤثر على وحدتنا الوطنية، وتماسكنا، وهذه كلها أهم مصادر قوتنا في الأردن، وهي التي حمتنا مما وقع فيه بعض أخوتنا في محيطنا العربي.
يبدو ان ظاهرة كراهية النجاح، والسخرية من المنجزين ليست جديدة في بلدنا، ما دام بعض الكبار يقومون بها في منصات التواصل الاجتماعي، ولكن.. إذا كانت هذه الظاهرة كبيرة في الـمدارس، فلا بد من قرع الجرس، والبحث عن طرق لإعادة بناء تفكير أطفالنا في اتجاه يجعلهم يحبون النجاح، وكي يصفقوا للناجح بدلًا من مطاردته، وضربه، والتنمر عليه، وإلا فإن هذا كله قد يؤشر إلى خطر آني ومستقبلي لا بد لصناع القرار والمخططين في بلدنا الانتباه له.
في الـمقابل نسمع عن قصص نجاح رائعة في مدارس الذكور، ونشاهد أطفالًا يشاركون في مسابقات ثرية، ويقومون بتحقيق إنجازات جميلة، نتمنى ألا يكون أمثال هؤلاء أقلية في مدارس الذكور.
نتشوق لوجود دراسة تبين لنا نسبة هؤلاء وهؤلاء حتى لا يصبح ذكورنا في خطر، فهذه ظاهرة مقلقة، لأن الـمجتمع يبنى على المساواة التكاملية بين الجنسين، وأي تراجع لأحد طرفي المعادلة يعني خسارة لنا جميعًا.
إذا لم يتم تغيير ثقافة أطفالنا الذكور في الـمدارس سيأتي يوم نجد غالبيتهم – لا سمح الله– في قائمة الفاشلين، أما الكبار الذين يصدموننا بتعليقاتهم التي لا تنم لا عن ثقافة ولا قيم، فلهم مقال آخر.
نريد مراجعة مناهجنا، وطرق تدريسها، واسأليب التربية في البيت، وطريقة تعاملنا مع الأشياء حتى نخرج من مثل هذه السلبيات، وإلا فإننا كلنا سنبقى تحت الخطر، وهذا لا يليق بنا، ولا ببلدنا الغالي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock