ترجمات

هل كسبت روسيا وخسرت أميركا من التوغل التركي في سورية؟

فهمي كورو – (أحوال تركية) 27/10/2019

عقد ترامب العزم على تغيير النهج “المؤيد للعولمة” الذي تبنته الكوادر السياسية في الولايات المتحدة -بما في ذلك الرؤساء– حتى دخوله إلى البيت الأبيض. وهو يسعى جاهداً إلى النأي ببلاده عن التزاماتها الدولية. وهذا ليس شيئاً يسر النظام العالمي الحالي؛ إذ لا يعترف بالعديد من الاتفاقات التي فرضتها الأمم المتحدة، وليس لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أي قيمة في نظره. والواقع أن سماته هذه تجعله قريباً من بوتين في طريقة التفكير.

  • * *
    يبدو أن الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال اجتماعه الذي طال انتظاره مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي يرضي الجميع.
    فكل من روسيا وتركيا راضيتان عنه. بل الغريب أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي من المفترض أن يكون مستاء من التطورات التي تسعد هذين البلدين، يبدو مسروراً باتفاق سوتشي هو أيضاً.
    كتب ترامب في تغريدة على حسابه بموقع “تويتر” للتواصل الاجتماعي عقب إعلان الزعيمين الروسي والتركي عن تفاصيل مذكرة التفاهم التي توصلا إليها في سوتشي: “يبدو أن هناك أنباء سارة تحدث بخصوص تركيا وسورية والشرق الأوسط. المزيد من التقارير ستأتي في وقت لاحق”.
    ولعلّ الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن التصريحات الأولية التي أدلت بها الأطراف المعارضة بشدة لعملية “نبع السلام” في سورية كانت إيجابية أيضاً.
    كتب محمد يلماز، وهو أحد الأقلام المعارضة: “لقد حصل أردوغان على ما يريده في سوتشي”. وأضاف: “يجب أن يُنظر إلى ما وصلت إليه تركيا اليوم باعتباره نجاحاً لأردوغان، حتى ولو كان ذلك على حساب دفع العلاقات مع أوروبا إلى حافة الانهيار. في هذه المرحلة، أستطيع أن أقول إن الرئيس رجب طيب أردوغان عاد من سوتشي بعد أن حصل على ما يريد”.
    ومن الآراء التي أثارت اهتمامي أيضا ذلك الذي عبر عنه أكدوغان أوزكان، الكاتب بموقع “تي24” الإخباري، والذي قال: “ربما منيت الولايات المتحدة في سورية بأكبر هزيمة لها بعد حرب فيتنام”. أليس هذا مثيراً للاهتمام؟ وكنت قد كتبت:
    “تبدو المقارنة بين الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في فيتنام، والتي استمرت 20 عاما (1955-1975) وأودت بحياة 58 ألفاً و200 جندي، وبين ما حدث للأميركيين في سورية مبالغاً فيها بعض الشيء. ذلك أن المجتمع الأميركي انخرط كله، على مدى 20 عاماً، في ما يحدث في فيتنام. وقد طالت تلك الحرب الجميع، سواء مَن تم تجنيده أو من حاول الهرب من التجنيد -وبالطبع عائلات هؤلاء الناس. ولنأخذ في الاعتبار الاحتجاجات التي كانت تشهدها جميع أنحاء البلاد بشكل شبه يومي، سواء كانت محدودة أو واسعة النطاق. أما اليوم، فإن ما يحدث في سورية لا يخص إلا واشنطن فحسب في الولايات المتحدة كلها؛ يبدو أن الأمر مرتبطاً بالسياسيين وحدهم…”.
    ما يزال من الممكن، بطبيعة الحال، أن نعتبر ما حدث “فوزاً لروسيا وخسارة للولايات المتحدة”. فقد سحب ترامب القوات الأميركية من المنطقة، لتحل مكانها القوات الروسية والسورية.
    وفي حين أخذ الأميركيون معهم قوات وحدات حماية الشعب/ حزب الاتحاد الديمقراطي، تقدمت تركيا مع القوات المحلية التي يُطلق عليها اسم “الجيش الوطني السوري” في عملية “نبع السلام”، والآن سيقوم الروس بتسيير دوريات حراسة مشتركة مع الجيش السوري.
    يتضمن البند الأول من الاتفاق ذي العشر نقاط الذي توصلت إليه روسيا وتركيا في سوتشي تأكيد البلدين على التزامهما بحماية الأمن القومي التركي.
    ولكن، ما هو المنطق وراء مشاركة روسيا في حماية الأمن القومي التركي؟
    “توجد في سورية جماعة إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في الأراضي المتاخمة للحدود مع تركيا. ويجري تعليق ملصقات حزب العمال الكردستاني على مباني وحدات حماية الشعب، وهذا دليل على ارتباط المنظمتين. ويهدف الاتفاق مع روسيا إلى الحيلولة دون أن يشكل حزب العمال الكردستاني/ وحدات حماية الشعب تهديداً لتركيا من سورية. ولكن ،على الرغم من ذلك، فإن حزب العمال الكردستاني الذي أدرجته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على قوائم “المنظمات الإرهابية” لم تعتبره روسيا بعد “تنظيماً إرهابيا”، حتى أن حزب العمال الكردستاني يتمتع بتمثيل رسمي في روسيا. وفي نص الاتفاق، لا يجتمع اسم حزب الاتحاد الديمقراطي مع كلمة “إرهابي” في عبارة واحدة؛ وهكذا، لا يوجد أي مؤشر على تغيرفي نظرة روسيا إلى حزب العمال الكردستاني. فهل تعتبر روسيا حزب العمال الكردستاني -وبالطبع حزب الاتحاد الديمقراطي- منظمة إرهابية”؟
    كيف يمكننا أن ننظر إلى النتيجة إذن إذا لم نعتبر هذا الحدث “فوزاً لروسيا وخسارة للولايات المتحدة”؟
    لا بدّ وأن أولئك الذين يتابعون كتاباتي منذ فترة قد أدركوا من تحليلاتي التي تركز على ترامب أنني أصبحت أراه يمثل خطاً مختلفاً: “الواقع أن ترامب ليس شخصاً طبيعياً، والأطباء النفسيون شخصوه مريضاً. وقد بدأت في بلاده عملية سياسية من أجل تقصير فترة رئاسته”. وحيث أن ترامب هو رئيس الولايات المتحدة اليوم، فمن الضروري إلقاء نظرة فاحصة على ما يريد القيام به.
    لقد عقد ترامب العزم على تغيير النهج “المؤيد للعولمة” الذي تبنته الكوادر السياسية في الولايات المتحدة -بما في ذلك الرؤساء– حتى دخوله إلى البيت الأبيض. وهو يسعى جاهداً إلى النأي ببلاده عن التزاماتها الدولية. وهذا ليس شيئاً يسر النظام العالمي الحالي؛ إذ لا يعترف بالعديد من الاتفاقات التي فرضتها الأمم المتحدة، وليس لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أي قيمة في نظره. والواقع أن سماته هذه تجعله قريباً من بوتين في طريقة التفكير.
    في ضوء ذلك، يمكن القول إن “بوتين فاز، ولكن ترامب لم يخسر أيضاً”؛ مع أنه ربما لا يكون للفوز نفس المعنى في بلديهما. وما من شك أن المعارضة ضد ترامب في الولايات المتحدة سوف تشتد بعد سوتشي.

*كاتب وصحفي تركي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock