آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

هل ما يزال التنقل عائقا لذوي الإعاقة ودافعا للعزلة؟

ربى الرياحي
عمان – ما تزال فئة ذوي الإعاقة تتطلع إلى تغيير جذري يحررها من قيود كثيرة تفرض عليها، وتحول بينها وبين المجتمع. ورغم التغيير البطيء الحاصل إلا أن الكثيرين يشعرون بأنهم يحاربون على كل الجبهات ابتداء من البيئة وتهيئة المرافق العامة ومرورا بالتعليم والعمل والصحة والترفيه.

حقوق كثيرة يحاول ذوو الإعاقة انتزاعها بالعزيمة والتصميم والصبر لتغدو واقعا ملموسا يعيشونه، ومن هذه الحقوق وجود بيئة آمنة وصديقة لهم تساعدهم على الاندماج اجتماعيا ومهنيا، بيئة مهيأة تفتح الباب أمامهم على مصرعيه ليكونوا حاضرين بقوة في قلب الحياة.

شوارع وأرصفة ومبانٍ ما تزال حتى اليوم غير مجهزة لاستخدام الأشخاص من ذوي الإعاقة بالرغم من حاجتهم الشديدة لزيارتها. هذه العوائق بالطبع تقف في أغلب الأحيان حائلا بين ذوي الإعاقة وحقوقهم وأحلامهم وحتى سعادتهم ورغبتهم في أن يعيشوا الحياة كغيرهم دون قيود تخنقهم أو تتسبب في عزلتهم وانطوائهم.

مبان غير مجهزة بمؤسسات عامة

تحفر تلك الحقوق الضائعة بالقلب والروح وجعا يستحضر معه كل التساؤلات القاسية، تحتاج للنظر إليها بإنسانية أكثر من أي شيء آخر؛ بهذه الكلمات يعلق الأربعيني خالد على موقف حدث أمامه أثناء مراجعته لإحدى المحاكم، ويشرح ألمه حينما رأى أمام عينيه وهو على بعد خطوات قليلة منه سيدة من ذوي الإعاقة الحركية، واضطرارها لترك كرسيها المتحرك والصعود حبوا على الدرج لأن المحكمة غير مجهزة لذوي الإعاقة ولا لغيرهم حتى والمصعد معطل.

كانت السيدة تبكي وهي تصعد الدرج، فمكتب القاضي في الطابق الرابع وصعودها حبوا بهذه الطريقة سيحتاج منها إلى جهد ومشقة كبيرين وأيضا إلى وقت إضافي حتى تتمكن من الوصول. لم يكن المشهد عاديا أبدا، بل كان فيه الكثير من القهر والحزن والألم شعورها بالعجز أمام كل هذه العوائق كان كافيا لأن يبكيها ويدفعها لأن تتساءل عن حقها في أن تتحرك بأمان وبعيدا عن الإحراج.

ويبين خالد أن المبنى مجهز للسكن وليس لاستقبال المئات من المراجعين والمحامين والقضاة والموقوفين، لذا بالتأكيد سيكون صعبا على الأشخاص من ذوي الإعاقة التنقل فيه بشكل طبيعي. ويتابع قصة السيدة والحزن يغزو ملامح وجهه، ليقول “معاناة السيدة لم تتوقف عند عدم تهيئة المبنى فحسب وإنما كان إسقاط إدعائها لتأخرها نصف ساعة عن موعد الجلسة هو الوجع الأعمق والأقسى بالنسبة لها فهي لم تعامل بإنسانية بل على العكس دفعت ثمن القصور والإهمال دون أن يكون لها ذنب في ذلك.

البيئة الآمنة حقوق أساسية

أما العشرينية حلا سامي فهي أيضا تواجه صعوبة كبيرة في التنقل لكونها تعاني من إعاقة حركية؛ تقول “أواجه الكثير من العقبات والعوائق كغيري ولا سيما فترة دراستي الجامعية التي كانت مليئة بالمغامرات والحوادث المحفورة في ذاكرتي وقلبي”، لافتة إلى أن البيئة الآمنة والصديقة لذوي الإعاقة حق شرعي وضرورة ملحة ليتمكنوا من ممارسة حياتهم كبقية أقرانهم وحتى يحصلوا أيضا على استقلاليتهم التي تمنحهم القدرة على الاستمتاع بالحياة أكثر كبقية أقرانهم.

التهيئة البيئية، وإيجاد مرافق آمنة وميسرة بالنسبة لهم وفق رأيها؛ هو حق مهم وأساسي يترتب عليه بقية الحقوق الأخرى، فالحفر المنتشرة في الشوارع والأرصفة غير المستوية والاستخدام الخاطئ من قبل الأفراد للطريق وقلة وعي بعض سائقي النقل العام هي كلها عقبات تضاف إلى عقبات أخرى تزيد من معاناة الشخص من ذوي الإعاقة وتشعره بالعجز كما تحرم بالمقابل أشخاصا آخرين من الالتحاق بالمدارس أو الجامعات أو بأخذ أماكنهم في الحياة العملية بإنصاف.

وتذكر حوادث تعرضت لها حينما سقطت عن كرسيها المتحرك أثناء تنقلها بسبب الحفر والأرصفة العالية، وبابتسامة مغلفة بالحزن، تؤكد حلا أن التسهيلات البيئية هنا في الأردن ما تزال متواضعة وبحاجة لاهتمام أكبر، “كلنا نعي أن التغيير لا يحدث بيوم وليلة ولكن أيضا لا بد من التحرك بجدية ومن جميع الأطراف”.

وتتفق معها مي جهاد في حديثها عن الشوارع والمرافق العامة والمواصلات والقصص الموجعة التي لا تعد ولا تحصى؛ “نحن بحكم إعاقتنا الحركية نواجه صعوبة كبيرة في التنقل الأمر الذي يدفعنا أحيانا كثيرة إلى العزلة والبقاء في البيت والانطواء على أنفسنا رغم حبنا للخروج والالتقاء بالأصدقاء والأقارب”.

وتوضح أنها تشعر بالإحراج الشديد عندما يضطر أهلها لحملها في الأماكن غير المهيأة والتي لا تضم ممرات خاصة لذوي الإعاقة، وتذكر موقفا حدث لها عندما مرضت واضطرت للذهاب لأقرب عيادة لم تكن حتى مزودة بمصعد فكان الحل أن يحملها أخوها وهذا بالطبع أحرجها وأشعرها بأنها ثقيلة على من حولها.

وتشير مي إلى بعض النقاط المهمة التي يجب أن تراعى في تهيئة المرافق والشوارع، مع ضرورة الانتباه لعلو الأرصفة واستوائها وللبلاط المستخدم في البناء مع الابتعاد عن الأنواع الملسة التي تتسبب في وقوع الأشخاص من ذوي الإعاقة وإصابتهم بكسور كما يجب مراعاة استخدام الأشخاص المكفوفين للطريق وتجنب وضع الأشجار وأعمدة الإنارة في وسط الرصيف، الأمر الذي قد يعرضهم للخطر وأيضا أن تكون هناك إشارات صوتية في كل مكان لإرشادهم وحمايتهم.

أولى الخطوات..

تذليل العقبات البيئية

الاختصاصي الاجتماعي الدكتور محمد جريبيع يبين أن تهيئة المرافق العامة والشوارع والأرصفة ووسائل النقل بحيث تكون مناسبة لاستخدام فئة ذوي الإعاقة بمختلف أنواعها؛ حق شرعي ينبغي على الجميع التعاون من أجل تحقيقه والوصول معا لبيئة أكثر أمانا وسهولة، مشيرا إلى أن ذوي الإعاقة جزء مهم من المجتمع ومن حقهم جميعا أن يشعروا بالاستقلالية بعيدا عن تلك العقبات التي تقيد حريتهم وتحرمهم من المشاركة في الحياة الاجتماعية والأنشطة. وهناك أيضا منهم من يحرم من العمل رغم كفاءته بسبب أن المكان غير مجهز ولا يتناسب مع وضع ذوي الإعاقة، وفق جريبيع.

أول خطوة في طريق المساواة والعدالة واحقاق الحق، هو تذليل العقبات البيئية أمامهم وإعطائهم المساحة الكافية للتنقل بأمان حتى يستطيعوا القيام بأدوارهم على أكمل وجه وحتى يتعرف عليهم المجتمع وعلى إمكاناتهم، مشددا جريبيع على أهمية أن تكون البيئة صديقة لفئة ذوي الإعاقة وداعمة لأحلامهم وطموحاتهم وليست عائقا يحول بينهم وبين انخراطهم في المجتمع.

إلى ذلك، يؤكد الناطق الإعلامي باسم المجلس الأعلى لحقوق ذوي الإعاقة رأفت الزيتاوي لـ “الغد” أن المرافق العامة والمباني حسب قانون الأشخاص ذوي الإعاقة يجب أن تكون مهيأة لاستخدام هذه الفئة على اختلافها من خلال كود البناء ووفقا للشروط والمواصفات المنصوص عليها. ويوضح أن هناك نوعين من الأبنية، مبان قديمة تحتاج إلى تعديل لتصبح مناسبة لاستخدام الأشخاص من ذوي الإعاقة ومبانٍ جديدة تؤسس من البداية على أن تكون مهيأة لهذه الفئة.

التغيير الكامل وصولا لبيئة آمنة يحتاج لوقت

وحسب قول الزيتاوي، فإن المجلس الأعلى بدوره قام بتفويض الدفاع المدني بتدقيق المخططات الخاصة بالأبنية الجديدة والتأكد من التزامهم بشروط كودة البناء ومطابقتها للمعايير المفروضة. ويشير إلى أن بعض الأبنية القديمة غير قابلة للتعديل أو التهيئة مثل بعض المحاكم ودور العبادة والمستشفيات والمدارس والجامعات، لكن هناك في المقابل أيضا مبان تم التعديل عليها كقصر العدل وذلك من حيث المصاعد والمنحدرات وأماكن الانتظار واللوحات الإرشادية المكتوبة بطريقة برايل.

ويبين الزيتاوي أن المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقع مؤخرا مذكرة تفاهم مع دائرة قاضي القضاة لتهيئة خمس محاكم شرعية في الزرقاء وإربد وعمان بحيث تكون مهيأة بشكل كامل أمام فئة ذوي الإعاقة والتقليل من صعوبة الوصول. وينوه إلى أن التغيير والوصول إلى بيئة آمنة بالكامل تحتاج لوقت طويل ومن أجل ذلك قام المجلس بوضع خطة لمدة 10 سنوات يتوقع خلالها تهيئة جزء كبير من المرافق والأبنية.

مشاريع لإعادة تأهيل الأرصفة

ويقول مدير الدائرة الإعلامية في أمانة عمان ناصر رحامنة لـ “الغد” أن هنالك اهدافا استراتيجية لأمانة عمان لتنفيذ رؤيتها ورسالتها لتقديم أفضل الخدمات البلدية ومواكبة التطور ومراعاة أفضل المعايير الهندسية في تصميم وتنفيذ مرافقها ومنشآتها العامة من أرصفة وأبنية وحدائق ومرافق عامة والتي من ضمنها الحرص على تحسين امكانية الوصول للمشاة من جميع الفئات وخاصة الاشخاص ذوي الاعاقة وتلبية احتياجاتهم بطريقة متساوية مما يساعد في دمجهم مع المجتمع وزيادة الوعي العام حول اهمية الاتاحة والتهيئة للجميع.

ويلفت رحامنة إلى أن أمانة عمان، قامت بعدة اجراءات من خلال مشاريعها وعطاءاتها المتعلقة بانشاء وإعادة تأهيل الارصفة، وذلك لتحسين انسيابية هذه الارصفة لحركة المشاة بكافة فئاتهم وخاصة الاشخاص ذوي الاعاقة وكبار السن وعربات الأطفال وتأمين الرامبات ذات الميول المناسبة وإزالة أي عوائق أمام حركتهم واستعمال المؤشرات الارضية التحذيرية والارشادية (بلاط TECTILE) وتأمين الأماكن المظللة بالأشجار ما أمكن وتأمين أثاث الطريق من مقاعد ومظلات ومواقف باصات واستخدام المواد ذات الديمومة العالية في تشطيب أرضيات هذه الارصفة.

ويذكر رحامنة ما تم تنفيذه على سبيل المثال لا الحصر؛ الحي النموذجي جبل الحسين، الجزء الأول – شارع الملك غازي /خلف سوق الذهب في وسط مدينة عمان، ساحة فيصل علما انه قد تم الانتهاء من تجهيز عدة مشاريع على نفس النهج هي، الحي النموذجي جبل الحسين، الجزء الثاني، الحي النموذجي العبدلي، الجزء الاول – الحي النموذجي العبدلي / الجزء الثاني، شارع الملك عبدالله الأول /ماركا – شارع الشريعة وشارع الباعونية والشوارع الممتدة بينها، جبل اللويبدة 2.

أيضا ومن خلال مشاريعها وعطاءاتها المتعلقة بانشاء وإعادة تأهيل الأبنية والمرافق العامة، تقوم بتأمين كافة متطلبات الاشخاص ذوي الاعاقة الحركية والسمعية والبصرية من خلال تحسين البنية التحتية لهذه الأبنية من تهيئة إمكانية الوصول لكافة مرافق الأبنية وتزويد هذه المباني بالانظمة التي تساعد ذوي الاعاقة (الانظمة الصوتية والمصاعد والمؤشرات الأرضية التحذيرية والارشادية (بلاط TECTILE).

عدد من المشاريع التي تم تنفيذها وفقا لهذه المعايير؛ مبنى منطقة وقاعة وادي السير – مبنى منطقة وقاعة صويلح، مبنى منطقة أبو نصير علما انه يتم حاليا تجهيز عدد من التصاميم ووثائق العطاء على نفس النهج وهي إعادة تأهيل مبنى مجمع الدوائر ومنطقة العبدلي، وإعادة تأهيل 11 مبنى منطقة قائم للتهيئة لمتطلبات ذوي الإعاقة علماً انه ومن منطلق اهتمام أمانة عمان والتزامها بتحقيق متطلبات ذوي الإعاقة فقد تم في العام 2017 توقيع اتفاقية تعاون بين أمانة عمان والمجلس الأعلى للأشخاص ذوي الإعاقة وبلدية برشلونة الرائدة في مجال تهيئة الوصول للاطلاع على خبراتهم وتجاربهم في تسهيل إمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة ولنقل خبراتهم لكوادر الأمانة والتعاون لإعداد التصاميم الهندسية والتنفيذ لعدد من المشاريع.

إقرأ المزيد : 

المدارس الحكومية تعرقل طموح ذوي الإعاقة في التعليم الدامج

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock