فكر وأديان

هل من العقلانية اتخاذ العقل مرجعية مطلقة؟ (4)

طلب مني بعض القراء مزيدا من التفصيل والأمثلة على أن اعتماد فِرق المتكلمين العقلَ مرجعية في أمور العقيدة لم يكن إيجابياً ولا صحيحاً، وأن الاعتماد على الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي كما دوّنه أرسطو في مجموعة كتبه التي عرفت باسم (الأورغانون) أي: آلة العلم، فشلت في تحقيق مقصد الفلسفة والمنطق بتيسير الوصول للمعرفة الصحيحة وامتلاك الميزان لتحديد الصواب من الخطأ!
وسأعرض أمثلة لتضارب مواقف المتكلمين الذين اعتمدوا العقل أو منطق أرسطو ولم يلتزموا كل الفلسفة اليونانية، ومن ثم نستعرض موقف فلاسفة المسلمين الذين عظّموا فلسفة اليونان ومنطق أرسطو.
في البداية، فإن المتكلمين من المسلمين زعموا أنهم سيعتمدون على العقل بشكل أوسع وأعمق للوصول إلى الموقف الصحيح في قضايا الإلهيات، ولم يكتفوا باقتفاء منهج الصحابة والسلف في العلم والمعرفة بالاعتماد على النقل/ الوحي في باب الإلهيات وما صح من الأدلة العقلية العامة السليمة في هذا الباب، فهل وصل المتكلمون لغايتهم في باب الإلهيات؟
الجواب بالإجماع كلا! فقط تفرقت مواقف المتكلمين بين تيارات ومدارس وفرق متعددة أبرزها: المعتزلة والكلابية والأشعرية والماتريدية، فما فائدة اعتماد العقل -فيما زعموا- إذا كان سيجعل العقيدة مشتتة ومتنازعة لا ندري ما هو الحق فيها؟
ولم يقتصر الخلاف والانقسام على هذه الفرق والمدارس، بل في داخل المدرسة أصبح هناك اتجاهات ومدارس، فالمعتزلة انقسموا إلى بصريين وبغداديين، والأشاعرة يقسّمهم البعض إلى أشاعرة كلابية وأشاعرة معتزلة وأشاعرة متفلسفة، ويقسمهم آخرون إلى الأشعرية الكلامية القديمة، والأشعرية المتفلسفة الجديدة! وللدكتور عبدالله السهلي بحث محكم متاح على شبكة الإنترنت بعنوان “الأطوار العقدية في المذهب الأشعري”.
ومَن يرغب بمثال تفصيلي على تضارب هذه الفرق والمدارس وتناقضها في موضوع محدد رغم زعمها اعتماد العقل فأرشح له بحثا محكما ومتاح أيضاً بعنوان “الخلل المنهجي في دليل الحدوث” للدكتور سلطان العميري، ورغم أن فرق المتكلمين جميعا يعتبرون دليل الحدوث من أهم فروض الدين والإيمان لأنه الدليل الذي يثبت وجود الله جل جلاله! فالمتكلمون -بتأثير من الثقافات الوافدة- تبنّوا فكرة انقسام الموجودات للجواهر والأعراض (المادي والمعنوي) وبناءً على هذه الفكرة قالوا إن الموجودات حادثة مما يدل على حاجتها لموجود.
إلا أن (عقل) المتكلمين لم يتفق على دليل وجود الله عز وجل، فقد اختلفوا في هذا الدليل بشكل كبير جداً، بحيث لا تكاد تكون جزئية منه محل اتفاق بينهم! ولم يصل (عقل) المتكلمين للصواب بحسب التفصيل الذي عرضه د. العميري في بيان خلل هذا الدليل من ناحية عقلية ومنطقية وكونه من ناحية واقعية لا يثبت وجود الله عز وجل في الحقيقة! وأن غالب المسلمين وعبر القرون لم يسمعوا به ولم يعرفوه وآمنوا بالله عز وجل من دون الحاجة له! فإذا كان (عقل) المتكلمين ضل وتشتت وتناقض في دليل وجود الله عز وجل لأنه يعمل في غير مجاله وبأدوات غير سليمة، فإن تضارب فرق المتكلمين في بقية أبواب العقيدة والإيمان سيكون طبيعياً لكنه بالتأكيد دليل على خطأ منهجهم!
لم يقتصر التناقض والتضارب على مجمل فرق المتكلمين أو في داخل كل فرقة من فرق المتكلمين، بل إن الشخص الواحد من أهل الكلام لم يتمكن من البقاء على نهج ثابت في آرائه الدينية، فأبو حامد الغزالي الذي جعل معرفة المنطق الأرسطي معيارا للعلم والفهم، لم يتمكن من الثبات على موقف موحد في كتبه المتعددة من المنطق وعلم الكلام ومنهج دراسة العقيدة، وقد ذكر هذا التناقض والاضطراب كل دارسي الغزالي، ومنهم المستشرق الفرنسي هنري كوربان.
وإذا انتقلنا من فحص حالة المتكلمين بمختلف أطيافهم (من رفضوا الفلسفة والمنطق، من قبلوا المنطق ورفضوا الفلسفة، من قبلوا المنطق والفلسفة) إلى تفحص حالة معشر الفلاسفة فسنجد نفس ظاهرة التفتت والتشرذم والانقسام لحد التناقض التام؛ حيث توزعوا بين مدارس فلسفية متضاربة عدة بينما زعمهم أن طريقهم الفلسفي هو الموصل للحق، لكن الواقع يقول إنه أوصلهم للضلال!
بدايةً لنرَ وصف المؤرخ العراقي الشيعي المعاصر علي الوردي لحال الفلاسفة المحسوبين على الإسلام مع فلسفة اليونان وأرسطو؛ حيث يقول: “يرجع فلاسفة الإسلام إلى أفلاطون وأرسطوطاليس فيمجّدونهما وربما قدّسوهما. فقد ذهب الفارابي في تمجيد أفلاطون إلى درجة أنه جعله في مستوى الأنبياء، ووصف الفارابي رئيس المدينة الفاضلة بأنه أفلاطون في ثوب النبي محمد. وجاء ابن رشد بعد الفارابي فأخذ يطنب في تمجيد أرسطو حتى وصل به إلى فوق طور الإنسان وجعله أسمى صورة تمثّل فيها العقل الإنساني حيث اتضحت به قدرة الإنسان على الاقتراب من العقل المطلق. وسمّاه ابن رشد: (الفيلسوف الإلهي)”.
وانقسم تيار الفلاسفة في الإسلام إلى مدارس عدة منها مدرسة الفلسفة المشائية التي بقيت مخلصة لليونان وأرسطو ويمثلها الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، ورغم كونهم في مدرسة واحدة إلا أننا نجد ابن رشد يهاجم الفارابي وابن سينا لأنهما قبلا نظرية الفيض اليونانية، والتي تعني وجود خالق غير الله عز وجل وهم العقول العشرة! ولم تُجدِ كل محاولات هؤلاء الفلاسفة المشائيين لتجاوز أزمة التوفيق بين فلسفتهم اليونانية الأرسطية والإسلام، مما جعلهم يمارسون ما يطلق عليه “الكتابة المزدوجة” أو التناقض بكل صراحة! فتجد الواحد منهم يكتب ما يؤيد الإسلام ويخالف الفلسفة في كتاب ثم ينقضه في كتاب لاحق بما يعارض الإسلام ويوافق الفلسفة وأرسطو! ونتيجةً لهذا الفشل في التوفيق بين الإسلام وفلسفة اليونان الأرسطية والوقوع في التناقض الدائم ظهرت مدرسة فلسفية جديدة هي الفلسفة الإشراقية على يد السهروردي!
وهي في حقيقتها تطوير لفلسفة أفلوطين اليوناني! فاستبدل أرسطو بأفلوطين، وبدلاً من نظرية فيض العقول العشرة قال السهروردي بفيض نور الله على الكون واعتمد التأمل الباطني لحل مشكلة تعارض فلسفة اليونان والإسلام!
وهذا التضارب والتصادم بين الفلاسفة كان نتيجته ضعف التدين في المجتمع الإسلامي بشكل عام؛ حيث لم يعد لعقيدة التوحيد مكانتها المركزية، ولم تعد أنوار الإيمان تضيء قلوب من تشتت بين مذاهب الفلاسفة وجدلياتهم العقيمة، فانتشرت الزندقة والشكوك بين متعاطي الفلسفة.
وكان نتيجة ذلك تشتت وتناقض وتضارب دعاة اعتماد العقل والفلسفة في مذاهب شتى ينقض بعضها بعضاً حتى عاد كثير منهم في آخر عمره ليعترف أنه أضاع عمره بلا طائل ولم يعرف شيئاً كما قال الفخر الرازي:
نهاية إقــــدام العــقــــول عــقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيــــــــــانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
بينما نعم أهل السنة واتباع الوحي بالسلامة والراحة والطمأنينة حيث عقيدتهم ثابتة على ما بيّنه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقله له صحابته الكرام رضوان الله عليهم، مع اتّباعهم القرآن الكريم والسنة النبوية وإن عقيدتهم وإيمانهم متسقان مع الفطرة السليمة والعقلية الصحيحة فليس فيها تناقض أو نقص أو خلل بل هي بناء محكم متناسق، ولليوم ما يزال أهل السنة في وحدة وطمأنينة إيمانية بينما مخالفوهم مشتتون بين فلسفات قديمة وحديثة يهدم بعضها بعضاً ويحطّم بعضها بعضاً.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock