فكر وأديان

هل مِن العقلانية اتخاذ العقل مرجعية مطلقة؟ (7)

أسامة شحادة

في المقالات السابقة استعرضنا فشل محاولات اعتماد العقل مرجعية مطلقة استنادا للفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي في تجربة المتكلمين والفلاسفة، واليوم سنفحص سلامة اعتماد العقل مرجعية مطلقة استنادا للفلسفات الغربية العصرية، والتي أصبحت قبلة كثير من العقول في أمتنا الإسلامية مع الأسف.
كما هو معلوم أن أوروبا شهدت ثورة فكرية على المنطق الأرسطي اليوناني بعدما تأثرت بالحضارة الإسلامية في الأندلس أو عبر الحروب الصليبية، وهذه حقيقة أصبحت محل اتفاق عند جماهير العلماء المنصفين في الغرب، وأُلّفت فيها عشرات الكتب منها “شمس الله تسطع على الغرب، أثر الحضارة العربية في أوروبا” للباحثة الألمانية زيغريد هونكة، وبرغم أن كلمة “الله” كُتبت بخط عربي في العنوان على غلاف النسخة الألمانية إلا أن الكتاب تُرجم وطبع مرات عديدة ومنذ سنوات طويلة باسم “شمس العرب تسطع على الغرب”!!
المهم؛ بدأت هذه الثورة الفكرية على يد رينيه ديكارت (1596 – 1650م) والذي قام بقطيعة معرفية مع النسق الأرسطي والفلسفة المدرسية المسيحية في القرون الوسطى، والتي مُزجت فيها الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطى مع تعاليم الكنيسة مما أنتج أزمة كبيرة بتعارض هذه الفلسفة مع الواقع والعلم ومن ثم اضطهاد العلماء!
قام ديكارت -والذي يعد مؤسسا للفلسفة الحديثة- بفصل عملية التفكير عن المفاهيم الكنسية اللاهوتية، وانطلق من العلم، وخاصة الرياضيات والعقل، واعتمد الشك المنهجي، فأعلى من منزلة العقل جداً لحد تأليهه والاكتفاء به كوسيلة للحقيقة المطلقة! حتى لقب بنبيّ العقلانية! ورأى ديكارت أن الذات هي مركز الكون بخلاف الفلسفة القديمة، واعتبر أن الكون يسير بطريقة ميكانيكية آلية، وبذلك أهمل ديكارت قضايا الروح والغيب رغم أنه كان يؤمن بها! وهو الذي فتح الباب لاحقاً لترسخ النظرة المادية للوجود في الغرب.
ولذلك سرعان ما ظهرت أصوات فلسفية كثيرة رافضة لهذا الغلو الديكارتي الشكي والعقلاني، فقد أثبتت التجربة والإدراك الحسي عجز العقل عن إدراك الحقيقة دوماً، فجاء ديفد هيوم (1711 – 1776م) بفلسفته التجريبية من وهم وثوقية عقلانية ديكارت، ولكن التجربة والحواس تلتقي مع العقل أيضاً، وبذلك أصبح هناك حالة من الفراغ وعدم التوازن بين ديكارت وهيوم، ما فتح المجال لظهور فلسفة كانط الجديدة!
جاء إيمانويل كانت أو كانط (1724-1804م) بفلسفة توفيقية بين ديكارت وهيوم، حيث رفض إطلاق العنان لقدرة العقل على إدارك الحقيقة، وجعل ذلك محدوداً بحدود التجربة والواقع الحسي، مع الإقرار بأن الإيمان بالغيب ضرورة، لكن بقيت مشكلة الغربيين –عموما- أن طريقهم لمعرفة الغيب يمر بوحي محرف يصطدم بالعالم والعلم! مما يجعل الإنسان مقسوما بين جانب عقلي مادي سليم نوعاً ما وبين جانب غيبي غير منطقي، مما فتح الباب للإلحاد من جهة، وفتح الباب للتركيز على اللذة والمنفعة الحاضرة من جهة أخرى، وهو الواقع في عالم الحداثة وما بعد الحداثة اليوم بكل وضوح.
وعلى هذه الفلسفة الغربية الحديثة تقوم حاليا الفلسفات الغربية المعاصرة، والتي ما عادت تركز على تقديم تصور كامل بقدر ما تركز على جزئيات ومواضيع محددة “إن كل المفكرين في هذه المرحلة الغربية يتناولون مشكلات محددة مشتركة” و”لا توجد فلسفة واحدة هي التى تمثل العصر” كما يقول إ.م. بوشنسكي في كتابه “الفلسفة المعاصرة في أوربا” من منشورات سلسلة عالم المعرفة، والذي يواصل حديثه عن واقع الفلسفات اليوم في الغرب فيقول: “اليوم تتصارع فلسفات وتصورات مختلفة عن العالم أشد صراع، فمِن النادر أن كان الصراع الفكري على مثل هذه الضراوة، ونادرا ما كثرت التصورات المتعارضة مثل هذه الكثرة وكانت على مثل هذه الحدة”، وعن تأثير هذه الفلسفات في الواقع يقدم لنا بوشنسكي مثالا مهما وهو أن: “الفيلسوف الألماني هيجل وهو الفيلسوف الذي يصعب كثيرا فهم كتاباته: هو الذي فتح الطريق لتظهر حركات مختلفة مثل الفاشية والحركة الهتلرية والشيوعية”!!
فهذه هي تضاربات الفلسفة الحديثة والمعاصرة الغربية، وهذه ثمارها المرة، فهل يمكن أن يكون من العقلانية اعتماد هذه (العقول) كمرجعية وهي تتناقض وتتضارب وتنتج لنا كل مدة كارثة فكرية أو دينية أو أخلاقية أو مجزرة دموية؟
وهل وقف الحال عند هذا الحد؟ الجواب: لا.
فبعد أن ثبت فشل مفهوم العقل في فلسفة اليونان، والقائمة على زعم وجود عقل منفصل، وأقر ديكارت وكانط وهيجل بأن العقل هو أمر معنوي يقصد به مجموع المبادئ الصلبة المنظِّمة للمعرفة، وهو ما سبق له علماء الإسلام والسلف من قرون، فإن الاطروحات الفلسفية لما بعد الحداثة، والفرنسية منها خصوصاً، طرحت ذلك ونبذته مع تطور العلوم والمعارف، ودعت لفكرة (تاريخية العقل)! ويقصدون بها عدم وجود قواعد عقلية مطلقة بل مرتبطة بالزمان ومعارفه، وأن العقل يتطور من عصر إلى عصر، وأن الوصول للحقيقة غير ممكن!!
وهذا كلام في قمة عدم العقلانية لأنه يؤدى إلى السفسطة والعدمية، وينفي وجود مقدار مشترك من المفاهيم عبر التاريخ مثل أن الجزء أصغر من الكل وأن الواحد أقل من الإثنين، وبذلك تنتفي الحقيقة ويصبح الحق والباطل قضية نسبية بحسب الزمان، وهذا نفي للمعيارية، وهي التي تحكم القضايا الكلية التي بها تستقيم الأمور والعلوم!!
ومغالطة (تاريخية العقل) هي سبب ما نراه من تناقض في سلوك الغرب، فبينما هو يَعبر الثورة الرقمية ويَدخل عصر الإنسان الآلي نراه ينحط إلى الشذوذ الجنسي الذي تأباه الحيوانات! ونراه يغرق في عالم الخرافات والشعوذة والسحر!
وللأسف أن هذه الهرطقات العقلية هي ما يحكم كثير من منظري العلمانية العربية كأركون وعابد الجابري وطرابيشي وهاشم صالح.
فهل بعد نفي العقل جملة تفصيلاً على يد كهنة العلمانية والعقلانية المغدورة تصح دعواهم باعتماد العقل مرجعية مطلقة للبشرية؟
وبهذا يتبين لنا سلامة موقف علماء الإسلام والسلف عبر القرون من رفض مزاعم الواهمين بضرورة الرضوخ لمفاهيمهم الباطلة والتي لقبوها بالعقلانية وهي في الحقيقة أوهام غير عقلانية، وأن الحق والصواب هو في منهج السلف القائم على اتباع الوحي الرباني في فهم الدين وعالم الغيب وتوظيف العقل في إطاره الصحيح وهو عالم الشهادة والطبيعة باعتماد المنهجية السليمة القائمة على المعلومة الصحيحية والتجربة الحسية السليمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock