فكر وأديان

هل مِن العقلانية اتخاذ العقل مرجعية مطلقة؟ (8)

أسامة شحادة

تبين لنا عبر الجولة المطولة في فحص مصداقية المزاعم التاريخية المزيفة الداعية لاتّباع الفلسفات العقلانية بكافة أشكالها وصورها من الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي إلى الفلسفات الحديثة والمعاصرة وما بعد الحداثية أنها كلها آلت للفشل وأعلنت إفلاسها وأنها لا تملك الحقيقة.
وإذا كانت الفلسفات القديمة العقلانية المزعومة تسببت بتعطيل العقل والتخلف العلمي طيلة قرون كثيرة عرقلت مسيرة البشرية! فإن الفلسفات العقلانية الحديثة المزعومة تسببت هي الأخرى بكوارث بشرية فادحة بسبب الاستعمار أو الفاشية والنازية والشيوعية، أو أثمرت من انحلال خلقي وشيوع الفواحش والشذوذ والإلحاد والكفر وإنكار الإيمان بالإله.
لقد ثبت أن أعظم الفلاسفة والعقول كسقراط وأفلاطون وأرسطو لم ينجحوا في معرفة وإدراك أبسط المعلومات البدهية في عصرنا، والمستقبل سيكشف أن عباقرة فلاسفة العصر الحاضر يجهلون الكثير من الحقائق مع تطور العلوم، وقد تبين جانب من هذا الخلل لدى فلاسفة العصر مع انحصار حقائق الفيزياء -والتي كانت رافعة العصر الحاضر- مع اكتشاف وتنامي فيزياء الكم والتي أبطلت مقررات فيزياء نيوتن في عالم الذرة وأبطلت نسبية أينشتاين في عالم الفضاء والثقوب السوداء!
بعد هذه الجولة الواسعة يلزم أن نصل للخلاصة السليمة من وراء ذلك كله وهي: أن العقل البشري لوحده يعجز عن معرفة الحقيقة المطلقة وإدارة الحياة بكل جوانبها، وأن العقل -برغم قدراته الكبيرة- يبقى محدوداً لا يستطيع مواجهة عظمة الكون واتساعه من جهة أو دقته وتفاصيله المتناهية في الصغر من جهة أخرى!
وهذا ما اعترف به أرباب هذه الفلسفات في لحظات صدق نادرة كقول أينشتاين: “إن العقل البشري مهما بلغ من عظم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون، فنحن أشبه الأشياء بطفل دخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها حتى السقف، فغطت جدرانها، وهي مكتوبة بلغات كثيرة، فالطفل يعلم أنه لا بد أن يكون هناك شخص قد كتب تلك الكتب، ولكنه لا يعرف مَن كتبها، ولا كيف كانت كتابته لها، وهو لا يفهم اللغات التي كُتبت بها”.
وهذه الحقيقة التي وصل لها فلاسفة وعباقرة الغرب المعاصرين هي من البدهيات في عالم الإسلام، فها هو ابن خلدون يقرر في مقدمته أن: “العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال.. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك”.
فالعقل له مجال يعمل فيه بشكل إيجابي وهو مجال الواقع والطبيعة بشرط أن تتوفر له الأدوات الصحيحة من المعلومات والحواس السليمة والمناسبة، وهو ما تكشف عنه التجربة الغربية بوضوح، ففي الوقت الذي تقدمت فيه العلوم الدنيوية والطبيعية في الغرب بواسطة العلم والتجربة بشكل سريع وكبير جداً، لأنها وظفت العقل في مجاله الصحيح في عالم الواقع / الشهادة، فإن الغرب على صعيد الفلسفة والإيمان والأخلاق في تدهور رهيب جداً، لأنه تاه بشكل فظيع في عالم الغيب اتباعاً للعقل القاصر والعلم العاجز والحواس الناقصة!
إن هذا التقدم العلمي الكبير جداً على كافة الأصعدة لا يزال يقدم الأدلة والبراهين المتكاثرة على حقيقة مركزية وهي أن الواقع الذي نراه وندركه بحواسنا ليس هو كل الصورة والواقع في الحقيقة!
فالبشرية عاشت قرونا طويلة وهي لا تدرك وجود الكهرباء والجاذبية والموجات الصوتية والضوئية رغم أنها تحيط بها، واليوم ومع تقدم العلوم أصبحنا ندرك وجود مجرات ضخمة جداً تبعد عنا آلاف السنين الضوئية ولكنها ليست تحت قدرة حواسنا بل نحن نلمس آثارها فقط عبر الموجات التي تلتقطها الآلات، ومؤخراً أعلن عن اكتشاف 300 ألف مجرّة كانت مجهولة بواسطة تليسكوب متطور، وعليه كم سيكتشف العلماء من مجرات مع تليسكوب أكثر تطوراً في المستقبل؟
وإذا عدنا من عالَم الفضاء الممتد، والذي وصفه ربنا في القرآن الكريم “والسماءَ بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون” (الذاريات: 47)، إلى عالم الذرّة نجد أن العلوم الحديثة لا تزال تكتشف كل مدة جسيمات في داخل النواة بلغ عددها 100 جُسيم أولي! فبعد أن كانوا يعتقدون أن الذرة أصغر وحدات الكون تم انقسام الذرة وظهرت النواة! وبعد ذلك تم اكتشاف البروتون والنيوترون والإلكترون، ثم تم تفكيك البرتون والنيوترون للكوارك! ثم أظهرت التجارب وجود جسيمات أخرى وهي الجسيمات الأولية! ولا زالت الأبحاث جارية عن معرفة تفكيك الكوارك في البروتون والنيوترون وفحص الإلكترون نفسه، ولا يَعرفون ماذا سيظهر مستقبلاً، وهذا كله طبعاً دون أن تكون الذرة والنواة فضلاً عن مكوناتها في مستوى إدراك حواسنا، بل هي غائبة عنا وهم يتعاملون مع آثارها!! مما دعا رالف فلوولنج ليقول: “انتقلنا في خلال ثلاثين سنة تقريباً من القول بأن أشد الأمور الواقعة يقينا هو (الذرة) إلى عكس هذا، إذ صرنا نعد الشيء اليقيني هو مبدأ اللايقين”!
وأما إذا يمّمنا وجهنا إلى داخل الإنسان لنبحث فيه عن محل العقل والتعقل فيه، فتصدم الكثيرين منا نتائج الأبحاث العلمية الحديثة عن دور القلب في عملية التعقل والمشاعر وليس الدماغ! فقد ثبت علمياً أن للقلب جهازا عصبيا مستقلا فيه ما يزيد عن 40 ألف خلية عصبية تخزن الكثير من المعلومات، ودورا كبيرا في إدارة الجسم بشكل منفصل عن الدماغ.
ومما يكشف ذلك واقع مئات الحالات لمن تم زرع قلب لهم من شخص آخر فتغيرت مشاعرهم وعواطفهم وطرق تفكيرهم إلى طبيعة الشخص صاحب القلب الأصلي، ومَن زُرع له قلب صناعي اضطرب تفكيره وفقد عواطفه وإحساسه، فالقلب هو المهيمن على عمليات الإدراك والتمييز والفهم والتعلم، وصدق الله تعالى: “أفلم يسيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” (الحج: 46).
هذه نماذج قليلة لمدى غياب الحقيقة الكاملة عن العقل البشري وعجزه عن إدراكها، وهي غيب مادي يمكن الوصول له ولو بعد قرون وآلاف السنين، فكيف بالغيب الذي لا يقع تحت الحواس كالجنة والنار والبعث والملائكة والجن فضلاً عن الله جل جلاله.
إن العقل البشري يعتمد في عمله ودوره على سلامة الحواس ودقة المعلومات، ولما كانت الحواس محدودة وتخدع والمعلومات قد لا تتوفر فكيف سيكون للعقل القدرة على العمل والإنتاج؟
الإنسان الذي يملك بصراً تاماً 6/6 هل يمكن له الإبصار في غرفة مظلمة؟ والإنسان صاحب السمع الجيد هل يمكنه سماع ما تبثه الإذاعات من حوله دون استخدام جهاز الراديو؟ ولذلك لا تستطيع حواس الإنسان الوصول لكامل الحقيقة، وتبقى هناك حدود لعملها في داخل عالم الواقع /الشهادة، وأي عمل لها في عالم الغيب هو عبث وفساد.
ولما كان العقل والعلم -مهما تطورا- يعجزان عن الإجابة عن الأسئلة البدهية: كيف بدأت الأشياء؟ ولماذا وُجدت الأشياء؟ وما هي الغاية من الحياة؟ ودون توفر معلومات صحيحة عن عالم الغيب لا يمكن للعقل العمل الصحيح في عالم الغيب ولذلك تضاربت عقول الفلاسفة عن عالم الغيب بشكل يؤكد ضلالهم وفشلهم، وأعلن ذلك ماكس بلانك، وهو من أشهر فيزيائيي الكم بقوله: “العلم الطبيعي لا يستطيع حل اللغز المطلق للطبيعة، وذلك لأنه في التحليل الأخير نكون نحن أنفسنا جزءا من الطبيعة، وبالتالي جزءا من اللغز الذي نحاول حله”!
وبهذا نصل للخلاصة الأخيرة: العقل البشري لا يصلح أن يكون مرجعية مطلقة للحقيقة الكاملة ولا يصلح أن يدبر الكون والحياة بمفرده، وحتى يمكن للعقل القيام بواجبه فهو كالبصر يحتاج للضوء حتى ترى العين، والعقل يحتاج لنور الوحي الرباني ليتمكن من التعامل مع عالم الغيب، وحاجة العقل البشري لنور الوحي ستكون مدار حديثنا بعون الله مستقبلاً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock