ترجمات

هل نريد إنهاء الإغلاق حقاً؟

جيف نوركوت* – (ذا سبيكتيتور) 22/2/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

على الرغم من أنه من غير المألوف إلى حد كبير أن يغير المرء رأيه، كشف موقفي من الإغلاقات عن رشاقة وخفة في الحركة. خلال معظم العام الماضي كنت “متشككًا في الإغلاق”. لم أكن أعيد بالضبط تغريد آراء بيرس كوربين المليئة بنظرية المؤامرة عن “الجيل الخامس”، لكنني لم أكن سعيداً بالمقدار نفسه بقضاء كل صباح في ممارسة تمارين القفز في المنزل مع جو ويكس على “يوتيوب”. كنت أظن أن عمليات الإغلاق قد تدمر مستقبل أطفالنا إلى الأبد، لكنني كنت حريصًا على ألا يُطلق عليّ وصف “قاتل الجدّة” أيضاً.
ومع ذلك، ثمة شيء ما حول عبارة “السلالة الجديدة القاتلة”، والذي كان له تأثير عليَّ. لك أن تقول ما تريده عن علماء الأوبئة، فهم يعرفون كيف يخيفون الناس. ولذلك استقر رأيي على أن أكون ما أسميه “وسطياً” بشأن “كوفيد”. من ناحية الإغلاق، كنت بمثابة الحزب الديمقراطي الليبرالي -أغير رأيي باستمرار، غير متأكد من موقفي، وأفقد احترام الأشخاص الذين اعتادوا أن يحبوني.
لكننا نقوم الآن بإعطاء اللقاحات للناس كما لو أنه لن يكون هناك غد، وأصبحت قلة إلحاح الحاجة إلى الإغلاق تختبر صبري. وبينما ننتظر تحديثًا من رئيس الوزراء عما سيحدث، يبدو من الواضح أننا استقررنا في هذا الإغلاق ليصبح طريقة للحياة بدلاً من أن يكون إجراءً مؤقتاً. على الأقل، حاول توم هانكس مغادرة جزيرته المنبوذة. وحتى لو أننا لم نصل بعد إلى مرحلة “التحدُّث إلى كرة القدم”، فإننا لسنا متحمسين إلى حد ما بشأن الذهاب في هذا الاتجاه. من يعرف أين سيكون هانكس الآن لو كان لديه “نيتفلكس”؟
نقلت الحكومة أعمدة المرمى لأننا سمحنا لها بذلك.
بينما أصبحنا نشعر بالراحة والدفء في المنزل، سكتت المناقشات حول تأثيرات الإغلاقات على الصحة العقلية والاقتصاد وعلى الأطفال. من المفهوم أن تكون الموجة الثانية العنيفة من المرض قد خففت من هذه المواضيع، لكنها يجب أن تظل أسئلة نطرحها على أنفسنا كل يوم -على الرغم من أن الطريقة الوحيدة لضمان تدهور صحتك العقلية هي قضاء أي وقت على الإطلاق في التفكير في الاقتصاد.
حتى ابني توقف عن السؤال عن موعد إعادة فتح مناطق اللعب اللينة (على الرغم من أنه ربما كان يعلم دائمًا أنها رجس جرثومي؛ المكافئ البريطاني لـ”الأسواق الرطبة”، التي تبيع اللحوم والأسماك والحيوانات الحية في شرق آسيا). وقد تخلى الجميع في كل مكان عن فكرة العمل في المكتب. وأخشى أن تشير لحظة “مبرد الماء” في يوم من الأيام إلى شخص من “الجيل زد” وهو يرمش بعينيه مندهشاً لدى رؤية واحد في متحف (1).
جعلني الخطاب المتغير حول اللقاح أشعر بالإنذار. في البداية كان الإجماع هو أنه بمجرد أن نغرس حقن اللقاحات في أذرع الضعفاء الذين أعمارهم فوق الثمانينيات، يمكن لبقيتنا العودة إلى التخطيط لفترات استراحة صغيرة. ولكن، مثل قدرتنا على استيعاب المخاطر، تحركت أيضًا “نافذة أوفرتون” لتعريف الضعف (2). أصبحت فوق السبعينيات، ثم فوق الخمسينيات. وربما سنفتح الباب بالكامل فقط عندما نكون قد أعطينا اللقاح لأي شخص يعاني من آلام في الظهر أو من رهن عقاري. وهو ما يستبعد، لكي نكون منصفين، معظم الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا.
يرجع هذا الجمود إلى زحف المهمة المعتاد، ولكن أيضًا إلى النفعية السياسية. يدرك كلا الحزبين أن 50 في المائة من البلاد مؤيدة بشدة للإغلاق. ولا تريد الحكومة تكراراً للإخفاق المشهود في كانون الأول (ديسمبر) عندما وعدت مرارًا وتكرارًا بوضع سياج دائري حول احتفالات عيد الميلاد، لتقوم، قبل أيام قليلة منها، بإخراج رودولف من الجزء الخلفي من شارع داونينغ ستريت وقتله بمجرفة.
يبدو أن الشعور بأن “هذه الإجراءات لا تذهب بعيدًا بما يكفي” هو الرد الوحيد على أي قيود جديدة. إذا أعلنتَ أن الناس يجب ألا يذهبوا إلى العمل، فإنهم سيريدون أن يُحبسوا في منازلهم. وإذا أعلنت الإقامة الجبرية، فإنهم يتساءلون لماذا لم يتم تقييدنا بالسلاسل إلى مشعاع التدفئة، وتعريضنا لما يشبه محاكاة الإغراق بارتداء أقنعة الوجه المزدوجة.
الحكومة، التي بدأت مواقفها في استطلاعات الرأي للتو في التعافي بعد مسائل معدات الوقاية الشخصية وسوق بارنابد كاسل، وأي مشاهدة عامة لوزير التعليم، غافن ويليامسون، تدرك أنه إذا قمت برمي اللحوم الحمراء لتجنب المخاطرة، فيمكن لذلك أن يدعم أرقامك (طالما أن اللحوم الحمراء نصف مطبوخة ومتوافقة تمامًا مع محاذير “كوفيد”). إنها ليست تحت أي ضغط سياسي مباشر للإسراع. لقد نقلت الحكومة إطار المرمى لأننا سمحنا لها بأن تفعل.
كان لـ”داونينغ ستريت” حليف كبير آخر في مسيرته المترددة نحو إعادة حرياتنا المدنية إلينا: كان الجو باردًا. وقد خرج منا دافعنا إلى أحلام اليقظة بشأن الخروج إلى الحانات العامة المفتوحة -جزئياً- من بحقيقة أننا إذا ذهبنا إلى هناك، فإن لدغة الصقيع ستنال منا قبل أن يفعل “كوفيد”. أما وقد أصبحنا مسجونين بدرجات الحرارة بقدر ما نحن محبوسين بالإغلاق، ومحيَّدين بالوجبات الجاهزة في منتصف الأسبوع، فقد سمحنا جميعًا لوضع راهن مؤقت بأن يستقر ويُنمي لنفسه جذوراً. ومع ذلك، يمكن أن يتغير المزاج العام مثل الطقس -ومع الطقس.
لذلك، احذَروا من الأجواء المعتدلة في منتصف آذار (مارس). إذا وصلت درجة الحرارة إلى 15 وشعر الناس بذلك الإحساس المربك بالشمس على الساعد، فقد تتغير الرغبة العامة في الحرية بسرعة. والأشخاص نفسهم الذين طالبوا بفرض غرامات باهظة على إجراء مكالمات “زوم” من دون ارتداء أقنعة الوجه، قد يطالبون قريبًا برأس أي وزير يعترض طريق تخطيطهم لأول حفل شواء متفائل في الهواء الطلق.

*Geoff Norcott: سياسي يميني نادر، يشكل صوتًا فريدًا في الكوميديا البريطانية. ظهر في العديد من البرامج والعروض الكوميدية على شاشات التلفزة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Do we really want lockdown to end?
هوامش:
(1) يشير “الجيل زد” إلى الأشخاص المولودين من أواخر التسعينيات وحتى اليوم. وقد أُطلقت عليهم الكثير من الألقاب مثل، “جيل التكنولوجيا”، “جيل ما بعد الألفية”، “جيل الواي-فاي”، و”زومرز” (نسبة إلى تطبيق زوم).
لحظة مبرد الماء water cooler moment، هو تعبير يشير إلى واحدة من أكبر الخسائر الثقافية الناجمة عن العمل من المنزل على نطاق واسع كانت “لحظة مبرد الماء”، وهي نوع من التفاعل الصدفي الذي يحدث عندما يصطدم الناس ببعضهم بعضا في مكان العمل، في المصعد، أو في طريقهم إلى الاجتماعات، أو في الواقع (إذا كان في مكتبك واحد) عند مبرد الماء (الكولر).
(2) نافذة أوفرتون، والمعروفة كذلك باسم نافذة الخطاب هو مصطلح يصف مجموعة الأفكار المقبولة في الخطاب العام. ويُنسب المصطلح إلى العالم السياسي جوزيف أوفرتون، الذي صرّح بأن الجدوى السياسيَّة لأي فكرة تعتمد بصورة أساسيّة على ما إذا كانت هذه الفكرة تقع ضمن نطاق الأفكار المقبولة في الحيز العام، وليس تبعاً للتفضيلات الفردية للساسة. وتشتمل النافذة -وفقًا لأوفرتون- على مجموعة من السياسات التي يمكن للسياسي أن يوصي بها دون أن يبدو متطرّفًا للغاية بحيث لا يتمكّن من أن يكسب أو يحتفظ بمنصب عامّ في المناخ الحاليّ للرأي العام.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock