أفكار ومواقف

هل هدأت سورية؟

مخطئ من يعتقد أن سورية تجاوزت أزمتها؛ الهدوء النسبي الحاصل الآن، وانحسار صوت المدافع والرشاشات لا يعني ابدا أنها تجاوزت مرحلة الخطر. مرحلة ما بعد المواجهات العسكرية، التي تتمثل بإعادة اللحمة الوطنية والاستقرار الأمني، وبناء الاقتصاد وتشييد البنية التحتية، لا تقل صعوبة عن المواجهة العسكرية، وتحتاج جهدا مكثفا وكبيرا وقرارات استراتيجية حاسمة.
لنا بالعراق مثال حي على صعوبات وتعقيدات مرحلة ما بعد الحرب التي انتهت في العراق بحدود العام 2003 ليستمر التحدي حتى يومنا هذا. سورية مختلفة عن العراق لانه تم الحفاظ على المؤسسات السورية والجيش، لكن هناك الكثير من العمل السياسي والاقتصادي الضروري لاعادة بنائها من جديد، وترسيخ أمن شعبها.
أولى وأهم تحديات مرحلة ما بعد الحرب إعادة اللحمة الوطنية. عدد من دول العالم واجهت هذه المراحل بطرق مختلفة، وفقط تلك التي تجاوزت الماضي بكل آلامه استطاعت النهوض من جديد. تطلب ذلك كثيرا من التسامح وسعة الصدر من قبل الطرف المنتصر، ولكنه ضرورة حتمية لاعادة اللحمة الوطنية. آخر ما يجب ان تفعله السلطات السورية ان تتصرف بعقلية الانتقام والثأر فذلك سيكون البذور الجديدة لمواجهات قادمة، ويعيد احياء الغضب والحزن الذي يؤسس لصدام من جديد. مئات الآلاف من السوريين قضوا نتيجة ما حدث، وكل بيت سوري فيه مأساة وحزن وغضب، وهذا يحتاج لقرارات استثنائية تعيد السوريين لتلاحمهم والتفافهم حول علمهم.
التخلص من بقايا الإرهاب، وطرد جميع انواع واشكال التواجد الاجنبي من سورية، وصياغة علاقة دولية متوازنة وعاقلة على مستوى الاقليم والعالم، حزمة تحديات اخرى واستحقاق مهم لاستقرار سورية. الإرهاب اندحر لكنه لم ينته، وهو مرشح للعودة ان تقاعسنا عن مواجهته، والأفكار والمسببات التي انبثق منها الإرهاب وترعرع عليها ما يزال جلها موجودا، لذلك فلا يجب نسيان ان هناك حملة فكر إرهابي ينتظرون ويتربصون لاعادة التموضع والانطلاق من جديد.
سورية ايضا، معنية باستعادة السيادة الكاملة واخراج جميع القوى الاجنبية بما في ذلك حزب الله وإيران، لانه طالما استمر وجود هذه القوات ستبقى قوات اخرى لمواجهته. وبالتزامن، فعلى سورية إعادة انتاج علاقاتها الاقليمية والدولية والتأكيد على هدوء الخطاب واتزانه، وان تقف وقفة تأمل أمام خطابها السياسي الذي كان وبالا عليها، وألب الأعداء واغضب الجيران واستعداهم. تصريح واحد بعينه ضد زعامة دولة خليجية كان سببا رئيسيا في كثير من مآسي سورية. خطاب سوري معتدل وعاقل غير تشكيكي وغير تخويني ضرورة سياسية حتمية في مرحلة سورية القادمة.
واخيرا، فعلى سورية أن تدرك تداعيات أزمتها على دول الجوار، التي تكبدت اعباء جسيمة نتيجة الازمة سيما تواجد ملايين اللاجئين فيها. هذه الدول تريد عودة اللاجئين، وهذا لن يتم دون استعادة سورية لاستقرارها، وضمانها عودة آمنة للاجئين دون انتقام أو تنكيل. تجاهل ذلك سيخلق حالة من عدم الثقة بين سورية وجيرانها، ويضر بها وبجهودها الاقتصادية والوطنية لمغادرة الأزمة وإعادة البناء.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock