تحليل إخباري

هل هذه حقا نهاية ترامب؟!

محمد أحمد الزواوي

وإن واصل ترامب خلال ما تبقى من فترته الرئاسية التشبث بالسلطة، واستمر في إنكاره لنتيجة الانتخابات، ومهما خيلت له نرجسيته المغلفة بالبارانويا بأنه شامخ لا يمكن هزيمته، إلا أنه في نهاية الأمر سيغادر البيت الأبيض. لكنه أيضاً، لن يكون صاغراً بأي حال من الأحوال كما يعتقد الكثيرون. فتلكؤه حتى بعد أن تبين لمن حوله على الأقل أن نتيجة الانتخابات قد حسمت، قد لا يعكس الواقع الحقيقي ما يجري بالفعل، فمن تحليل شخصيته وماضيه فانه قد عكف بالفعل على الفصل التالي من حياته.
لطالما طغت صبغة النرجسية المفرطة شخصية دونالد ترامب، وتلك الذات قد تضخمت بشكل حتى أكبر بعد خوضه الانتخابات مرتين، بل تعظمت الى درجة حتى أعلى من ذلك نتيجةً للقوة والسلطة العظيمة التي تنشقها منذ اعتلائه سدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية. وكغيره من الشخصيات النرجسية عبر التاريخ، ومع تعاظم الذات تزداد الصعوبة بمكان لمثل تلك الشخصيات تقبل فكرة أخذ خطوات للوراء، أو بمعنى آخر التعايش مع منسوب أقل من السلطة والقوة والأضواء.
ربما يكون دونالد ترامب أكثر رئيس حكم الولايات المتحدة تفرداً عبر التاريخ، إلا أن ذلك لا يدحض حقيقة أنه بالفعل حقق مكاسب كبيرة طوال فترة حكمه وحتى في انتخاباته الأخيرة، فقد تمكن من توظيف شعبويته النزقة لتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة خلال فترته الرئاسية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بعدد الأصوات التي حصل عليها في انتخاباته الأخيرة وسيطرته شبه المطلقة على الشارع في الحزب الجمهوري.
شخصية مثله لن تتنازل عن كل الزخم الشعبوي والمكاسب الجماهرية التي حققها عبر السنوات، ولن تسمح له بأن يغادر الساحة دون عودة مثل ما جرت عليه العادة عند انتهاء ولاية كل من سبقه من الرؤساء. وترامب ودائرته المقربة أمامهم الآن عدة سيناريوهات لمستقبله، وجميعها محتملة -وإن بتفاوت- في الأيام والشهور والسنوات القادمة. من أكثرها احتمالاً ربما، عودته لخوض رحى الانتخابات الرئاسية القادمة، اعتماداً على المكاسب المتحققة سابقاً والزخم الهائل الذي تولد من رحم شعبويته في الحزب الجمهوري. ولكن ذلك طبعاً مشروط بأن يتمكن من استمالة الداعمين وتحصيل دعم كاف للقيام بجولات انتخابية وقودها شعبويته المعتادة، وليس سراً بأنه في وقتها سيعتمد على أن جو بايدن قد بلغ من العمر أرذله، والذي قد يزيد صعوبة مهمة حصوله على فترة ثانية.
أما المسار الثاني المتوقع، هو أن يبني هو ودائرته المقربة على سطوته غير المسبوقة على الحزب الجمهوري وكياناته الداعمة وأذرعه الإعلامية، ليلعب دور الورقة الرابحة في الانتخابات الرئاسية القادمة، ويستغل تلك القوة الجارفة في الوقوف خلف مرشح الحزب الجمهوري القادم، والذي سيكون من اختياره وتحت سيطرته على الأغلب، وقد يكون أحد اولاده أو صهره، ليوظف نفوذه اللامحدود في الحزب الجمهوري لإطالة أمد وترسيخ ما يعتبره إرثه الاسطوري الذي سيتمثل بالمرشح الذي سيواصل المسيرة التي بدأها هو.
مسار آخر ممكن وإن كانت احتماليته أقل نسبياً عما سبق، إلا أنه وارد بالرغم بأنه لم يحدث من قبل عبر التاريخ. وربما يكون أخطر المسارات بأن تأخذه نشوة السبعين مليون صوت التي حققها في الانتخابات الأخيرة، إضافة الى خلافه مع بعض رموز الحزب الجمهوري الى الذهاب ربما لتأسيس كيان جديد ينضوي تحته كثير من تلك الجماهير التي جرت خلفه في تجمعاته الانتخابية، وما انضوى تحتها مما يشبه المليشيات العرقية التي تجنح نحو ما هو يمين أكثر حتى من الحزب الجمهوري لدرجة التطرف، والذين داعبت مشاعرهم استعراضاته المستمرة وتطاوله على جميع الاعراف واحيانا كثيرة على بنود الدستور الاميركي ليصطفوا خلفه بطريقة عمياء.
في نهاية الأمر ، فان مغادرة البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) القادم لن تكون نهاية ترامب على الإطلاق، بل على عكس ما يتوقع الكثيرون فانها ستكون إعادة ولادة لمستقبل سيحمل في طياته ربما المجهول وكثيرا من الظلامية لكل من لا يتفقون وكل ما يمثله من تطرف وشعبوية غوغائية. نرجسيته تصور له بأنه قائد لتلك الملايين التي تصرخ باسمه دون تفكير خلال تجمعاته الانتخابية، وكأنه بطل اسطوري لم يذكر التاريخ مثله، إضافة الى اعتقاده بأن التاريخ حتى الآن لم يوفه حقه بعد!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock