ترجمات

هل هناك عدد مقبول من وفيات “كوفيد – 19″؟

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بايراشيل كونليف* – (ذا نيو ستيتسمان) 7/7/2021
إذا كنت لا تقر بأن الخطر حقيقة لا مفر منها من حقائق الحياة، فمن الصعب جدًا إجراء حوار صادق حول التخفيف من حدته.
* * *
هل هناك عدد مقبول من وفيات “كوفيد – 19″؟ إنه سؤال مزعج، لا سيما عندما يبلغ عدد الوفيات في المملكة المتحدة أكثر من 128.000 (للوفيات التي تحدث في غضون 28 يومًا من اختبار إيجابي). وكان ثمة الكثير من المآسي على مدى الأشهر الستة عشر الماضية، والعديد من الخسائر الشخصية والجنازات التي جاءت في وقت غير مناسب، ما يجعل مجرد رفع احتمالية حدوث المزيد يبدو قاسياً.
قد يكون هذا هو السبب في أن وزير الصحة الجديد نفسه، ساجد جافيد، الذي جادل بأنه يجب علينا “تعلم كيفية العيش مع كوفيد”، يرفض الانجرار إلى مناقشة حول الأرقام. وقد تهرب من السؤال في مجلس العموم في 5 تموز (يوليو)، ثم قال لشبكة “سكاي نيوز” في 6 تموز (يوليو) إن “الأمر لا يتعلق بأن هناك عدداً ما من الوفيات سيكون مقبولاً، بالطبع لا” عندما سئل عما إذا كان لدى الحكومة رقم في ذهنها بينما تنتقل إلى رفع جميع قيود “كوفيد” في 19 تموز (يوليو).
وبالقدر الذي يتعلق برقم جافيد المقابل، فإن وزير الصحة في الظل، جون أشوورث، يشعر بالقلق، فحتى التفكير في هذا الرقم أمر غير معقول. وعندما ظهر في برنامج “اليوم” على إذاعة “راديو بي بي سي” يوم 6 تموز (يوليو)، وسُئل سؤالاً مماثلاً، أجاب: “لا أعتقد أن أي حالات وفاة يمكن تجنبها ستكون مقبولة. لهذا السبب أرغب دائمًا في اتخاذ إجراءات احتياطية تخفيفية لمحاولة إنقاذ حياة الناس”.
الجزء الثاني من تصريح أشوورث بالكاد مثير للجدل. ففي وقت تتزايد فيه حالات الإصابة بفيروس “كوفيد”، من المنطقي النظر في اتخاذ تدابير احترازية، مثل الاستمرار في تشجيع ارتداء أقنعة الوجه وتحسين التهوية في المباني العامة. لكن الجزء الأول يستحق التدقيق.
مهما كان ذلك محزنًا، فإننا “نقبل” بعدد كبير من الوفيات “التي يمكن تجنبها” نظريًا. على سبيل المثال، في العام 2019، سجلت المملكة المتحدة 1.752 حالة وفاة بسبب حوادث الطرق. وهذا يعني أن ما يقرب من 2.000 شخص -بما في ذلك 49 طفلاً- ماتوا لأن المملكة المتحدة لا تحظر قيادة المركبات.
كما توفي 40 شخصًا آخرون في 2018-2019 في حوادث متعلقة بالسكك الحديدية (باستثناء الانتحار). وكان هناك أيضًا 7.565 حالة وفاة مرتبطة بالكحول في المملكة المتحدة في العام 2019، بينما يموت ما يقرب من 77.600 شخص بسبب التدخين سنويًا في إنجلترا. وفي غضون ذلك، على مدى نصف العقد الماضي، أودى موسم الانفلونزا الشتوية بحياة ما بين 3.500 و23.000 شخص سنويًا.
يمكن تصنيف كل هذه على أنها “وفيات يمكن تجنبها”. إذا لم تحظر المملكة المتحدة قيادة السيارات فحسب، وإنما حظرت أيضًا القطارات والكحول والتبغ، وفرضت الإغلاقات وأغلقت المدارس في جميع أنحاء البلاد بين تشرين الأول (أكتوبر) وآذار (مارس) من كل عام، لكان من الممكن إنقاذ جزء كبير من هذه الأرواح، ولو مؤقتًا. ويمكننا إنقاذ المزيد من الأرواح من خلال حظر ركوب الدراجات والتزلج والرغبي وتسلق الصخور وتناول الدجاج؛ بإبقاء كل شخص فوق عمر 65 عاماً في فقاعة معقمة؛ أو بفرض حظر تجول شامل على الرجال لمنع عنف الذكور ضد النساء.
يخبرنا عدم وجود أي سياسي عاقل يمكن أن يقترح القيام بأي مما سبق بأن هناك مستوى من الموت “الذي يمكن تجنبه”، الذي نكون نحن، كمجتمع، مرتاحين معه مع ذلك، سواء كنا نود التفكير فيه بهذه الشروط أم لا.
وهذا لا يعني أن لا نبذل -أعني بذلك نحن كحكومة وأفراد- أي جهد لتقليل الوفيات قدر الإمكان. فالسيارات تأتي مع أحزمة أمان ووسائد هوائية وحدود للسرعة؛ ويتم وضع أنظمة تنظم الكحول والتبغ بصرامة، بينما تحاول حملات الصحة العامة الحد من الشرب والتدخين؛ ويرتدي متسلقو الصخور أحزمة للأمان. ونحن جميعًا نتعلم أن علينا أن نطهو الدجاج جيدًا. وربما سننظر، بعد أهوال الأشهر الستة عشر الماضية، في تدابير لتخفيف تأثير موسم الانفلونزا كل عام.
لكنَّ من الخطأ أن يقترح أي شخص -وأكثر من الجميع وزير صحة الظل- أنه لا يوجد شيء اسمه عدد مقبول من الوفيات، أو أن السياسيين لا ينبغي أن يطرحوا هذا السؤال. هناك منظمة كاملة -المعهد الوطني للتميز في الرعاية الصحية (نيس)- مكرسة لمساعدة “هيئة الصحة الوطنية” البريطانية على مواجهة هذا التحدي -حتى أن لديها مقياسًا خاصًا بها لتحديد التدخلات المنقذة للحياة التي تستحق التكلفة، وأيها، للأسف، ليست كذلك: سنوات العمر معدّلة الجودة، التي، وفقًا لموقع (نيس) على الإنترنت، “تُحسب من خلال تقدير سنوات العمر المتبقية لمريض يتبع علاجًا معينًا أو تدخلًا معينًا، ووزن كل عام مع درجة جودة الحياة”. وحتى هيئة الصحة الوطنية لا تحاول إنقاذ كل حياة يمكنها إنقاذها، افتراضيًا.
في سياق “كوفيد”، قد يبدو هذا طريفًا. عندما غردتُ عن تعليق أشوورث، تعرضتُ للقصف من الناس الذين أخبروني بأنه من الواضح أنه لم يقصد ما قاله، وكان يدافع عن مزيد من الاحتياطات، وليس محاولة القضاء على الوفيات تمامًا. ولكن، بينما أوافق على أن هذا ربما كان ما قصده وزير الصحة في الظل، أعتقد أنه من المهم أن نتحدى مثل هذه التصريحات “الأُميّة بشأن المخاطر” عندما نراها، خاصة عندما تأتي من أشخاص يطلبون منا أن نثق بهم لإدارة حياتنا.
لأنه إذا كنتَ لا تقر بأن الخطر هو حقيقة لا مفر منها من حقائق الحياة، فسيكون من الصعب جدًا إجراء محادثة صادقة حول التخفيف منه. ويمكن تبرير التدخلات البسيطة، مثل الارتداء الإلزامي لقناع الوجه، بسهولة في هذا الوقت، ولكن ماذا عن التدخلات الأكثر شدة؟ ماذا لو تمكنا من منع وفاة عشرة أشخاص بسبب “كوفيد – 19” إذا أبقينا جميع الطلاب خارج المدرسة لمدة الأشهر الـ12 المقبلة؟ قد يعد معظم الناس هذا سلوكاً متطرفًا وغير متناسب، ولكن إذا كانت فكرتك الأساسية هي أنه لا يوجد موت يمكن تجنبه مقبول، فإن حرمان 6.7 مليون طفل سنويًا من التعليم الحكومي في إنجلترا سيبدو واجبًا أخلاقيًا حتمياً.
عندما يدلي السياسيون بتصريحات تافهة مثل هذه، فإنهم يجعلون من المستحيل إجراء محادثة عقلانية حول مقدار المخاطر التي نحن مستعدون، كمجتمع، لتحملها. ولا يمكننا حتى مجرد البدء في تقييم التكاليف والفوائد النسبية قبل أن يتحول النقاش إلى مباراة صراخ حول من “يقدر الحياة” أكثر من غيره. كما أنهم يقوضون أيضًا حججهم الخاصة المطالِبة بمزيد من الاحتياطات -كيف يمكنك أن تأخذ القضية المعقولة جدًا لضرورة ارتداء الأقنعة والتهوية على محمل الجد إذا كانت تأتي من فم شخص يدعي أنه يجب تقليل مخاطر “كوفيد” إلى الصفر المطلق؟
لا يتعلق أي من هذا بالتقليل من الشدة المحتملة لموجة “كوفيد” الثالثة أو معارضة التدابير المقترحة للحد من تأثيرها. ويبلغ عدد الحالات اليومية الجديدة الآن 28.773. وحتى مع حصول 86 في المائة من البالغين في المملكة المتحدة على جرعة لقاح واحدة على الأقل، ما نزال نجهل الكثير عن كيفية انتشار هذا الفيروس وتحوله.
لكن هناك، بالطبع، عدد مقبول من وفيات “كوفيد” -تمامًا كما أن هناك مستوى مقبولاً للوفيات الناجمة عن العديد من الأسباب الأخرى. ونحن نستحق سياسيين يتمتعون بالشجاعة الكافية للاعتراف بذلك.

*Rachel Cunliffe: محررة الموقع الإلكتروني لمجلة “ذا نيو ستيتسمان”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Is there an acceptable number of Covid-19 deaths?

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock