ترجمات

هل يجب ترك كوفيد لينتشر بين الشباب والأصحاء؟

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 21/10/2020
مع انتشار موجات جديدة من “كوفيد-19” في العالم، عادت عمليات الإغلاق لتصبح شائعة مرة أخرى. ومع ذلك، أصبح بيعها على الناس أكثر صعوبة هذه المرة. إنها تنقذ الأرواح بالتأكيد. لكنّ من الواضح الآن أن الوظائف المفقودة، وتعطيل التعليم والخدمات الطبية، والضرر الذي يلحق بالصحة العقلية، تأتي كلها بحصيلتها الخاصة من الخسائر -التي لا تُدفع بالبؤس فقط هذه المرة، وإنما بالوفيات أيضاً. يبدو أن أنظمة “الاختبار والتتبع”، التي تهدف إلى منع المعرضين للفيروس من نقله قد نجحت في بعض الأماكن، لكنها لم تفعل في أماكن أخرى.
مع عدم وجود لقاح أو علاجات دوائية فعالة، فإن السؤال عن المدة التي يمكن أن يستمر فيها هذا الوضع أصبح يُطرح بقدر أكبر من الإلحاح. وفي الرابع من تشرين الأول (أكتوبر)، قدم ثلاثة من خبراء الصحة العامة من جامعات هارفارد وأكسفورد وستانفورد عريضة تدعو الحكومات إلى تغيير مساراتها في مكافحة الوباء بطريقة جذرية.
يقترح “إعلان بارينغتون العظيم”، الذي سُمي على اسم البلدة في ولاية ماساتشوستس الأميركية حيث تم التوقيع عليه، السماح للعدوى بالانتشار بحرية بين الأشخاص الأصغر سنًا والأكثر صحة بينما يتم اتخاذ تدابير لحماية الفئات الأكثر ضعفًا من التقاط العدوى. ويعتمد هذا النهج على مفهوم “مناعة القطيع”، حيث يتوقف المرض عن الانتشار عندما تصبح نسبة كافية من السكان محصنة نتيجة نتيجة لإصابتها بالعدوى.
الأطروحة
وهذه فكرة مثيرة للجدل. في 14 تشرين الأول (أكتوبر)، نشرت مجموعة أخرى من خبراء الصحة تفنيدًا في مجلة “لانسيت”، ووصفت الإعلان بأنه “مغالطة خطيرة لا تدعمها أدلة علمية”. وحملت مذكرة هؤلاء الخبراء عنوانًا كبيرًا أيضًا: “مذكرة جون سنو”، التي سُميت على اسم رجل إنجليزي أسس مبادئ علم الأوبئة في خمسينيات القرن التاسع عشر. وهي تحث الحكومات على القيام بكل ما يلزم لقمع انتشار فيروس كورونا المسبب للمرض، (سارس-كوف-2). وعلى وجه الخصوص، تدعو الرسالة إلى استمرار فرض القيود حتى تصلح الحكومات أنظمتها لاختبار وتعقب وعزل المصابين. وعلى الإنترنت، جمعت هاتان العريضتان المتبارزتان آلاف التوقيعات من العلماء حول العالم.
ينطوي “اقتراح بارينغتون العظيم” على مخاطرة. إن أي حكم حول ما إذا كانت العدوى الطبيعية يمكن أن تخلق مناعة قطيع ضد (سارس-كوف-2) هو سابق لأوانه. لم يتم تحديد ما إذا كان الأشخاص المصابون يطورون مناعة دائمة ضد الإصابة بالعدوى مرة أخرى -وإذا كانوا سيفعلون، فما مدى شيوع هذه المناعة. وقد تم تأكيد حالات قليلة من الإصابة بالمرض مرة أخرى بشكل قاطع. (يتم ذلك من خلال إثبات أن جينومات جزيئات الفيروس التي تم العثور عليها في المرتين الأولى والثانية مختلفة بالفعل، ما يعني أن العدوى الثانية لا يمكن أن تكون استمرارًا للأولى). ويعاني حوالي 80 في المائة من المصابين بفيروس (سارس كوف-2) من أعراض خفيفة أو لا تظهر عليهم أعراض على الإطلاق. ولا يتم اختبار الغالبية العظمى من هذه الحالات الخفيفة، حتى في البلدان التي لديها قدرات اختبار كبيرة.
قد تتضمن الدراسة المثالية لتسوية حالة عدم اليقين هذه إعادة الاختبار بشكل متكرر لمجموعة كبيرة من الأشخاص المعروف أنهم أصيبوا بالمرض في الماضي، لمعرفة عدد الذين يصابون مرة أخرى. لكن من الصعب تحديد أولئك الذين أصيبوا بعدوى خفيفة أو خالية من الأعراض. وغالبًا ما تفشل الاختبارات التي تبحث عن الأجسام المضادة ضد (سارس-كوف-2) في دراسات المراقبة الكبيرة في اكتشاف هذه الأجسام المضادة في الحالات الخفيفة. ووجدت بعض الدراسات أن الأجسام المضادة في هؤلاء المرضى تتلاشى بمرور الوقت. أما إذا كان هذا يعادل تلاشي المناعة، فما يزال غير معروف.
إذا كانت الاستجابة المناعية لفيروس (سارس-كوف-2) تشبه تلك التي تنشأ عن فيروسات كورونا الأخرى التي تصيب البشر، فإن السماح له بالانتشار سيؤدي في النهاية إلى إبطاء انتقال العدوى -لفترة من الوقت. لكن السؤال هو كم ستكون تلك الفترة. تسبب أربعة من أصل الأنواع الستة من فيروس كورونا أعراضاً توصف بأنها “نزلات البرد” (على الرغم من أن هناك أنواعاً أخرى من الفيروسات تسبب نزلات البرد أيضاً). وتوفر العدوى بهذه الأنواع الحماية التي تدوم عادةً لفترة أقل من عام. ويتسبب النوعان البشريان الآخران من فيروس كورونا، الـ”سارس” والـ”ميرس”، في مرض خطير. ويقدر أن المناعة ضد هذين النوعين تستمر لعدة سنوات. فإذا كانت الحماية التي تتشكل بعد المرض في حالة (سارس-كوف-2) قصيرة الأجل أو ليست قوية بشكل خاص، فسوف يستمر الفيروس في الظهور في موجات وبائية متكررة كما يحدث كل شتاء مع جراثيم الجهاز التنفسي الأخرى. أما إذا كانت أطول عمراً، فإن حجة بارينغتون العظمى ستكون أكثر منطقية.
الأطروحة المناقضة
مع ذلك، يجادل مؤلفو “مذكرة جون سنو” بأن الوفيات والإعاقات التي ستنشأ بموجب خطة “بارينغتون العظمى” ستكون هائلة، حتى لو كان رهان مناعة القطيع يتعلق بالنقود. سوف تعتمد نسبة السكان الذين يجب أن يُصابوا بالفيروس على مدى سهولة انتشار (سارس-كوف-2). وفي أبسط أشكالها، فإن عتبة مناعة القطيع كجزء من السكان هي 1-(1/ ر)، حيث “ر” هي متوسط عدد الأشخاص الذين يصابون بالفيروس من شخص مصاب. ومع عدم وجود تباعد اجتماعي، فإن قيم “ر” لأوروبا تقع في نطاق 3-4، ما يعني أن مناعة القطيع ستنطلق عندما يصاب ثلث إلى ثلاثة أرباع الأفراد بالعدوى. ومع ذلك، تفترض هذه الصيغة أن تكون للجميع فرصة الإصابة نفسها، وليس هذا هو الحال في الواقع. وإذا اختلفت فرص الإصابة، فإن العتبة تكون أقل مما تقترحه الصيغة. وقد يكون هذا مهمًا. فلدى الشباب، على سبيل المثال، اتصالات أكثر من كبار السن، وهم يكونون بالتالي أكثر عرضة لالتقاط الفيروس. وقد خلصت بعض النماذج التي تفترض تنوعًا معقولًا في معدلات الاتصال إلى أن عتبة مناعة القطيع في أوروبا الغربية يمكن أن تكون منخفضة إلى حد 43 في المائة.
من الممكن أيضًا أن تنخفض هذه العتبة من خلال المناعة الموجودة مسبقًا والتي تم كسبها من خلال إصابة بفيروسات كورونا المسببة لنزلات البرد. وقد يأتي هذا النوع من الحماية من الخلايا التائية للذاكرة memory t-cells، وهي جزء آخر من ترسانة جهاز المناعة. وعلى عكس الأجسام المضاد، المصممة خصيصًا لمهاجمة مسبب مرض معيّن، تكون الخلايا التائية أقل انتقائية في التعرف على غازٍ ضار ومطاردته. وقد وجدت العديد من الدراسات التي أجريت على عينات دم مأخوذة قبل ظهور (سارس-كوف-2) وجود خلايا تائية تقوم برد فعل قوي ضد هذا الفيروس في 20-50 في المائة من الحالات. وهذه نتيجة مثيرة. ولكن لم يُعرف بعد ما إذا كان الأشخاص الذين لديهم مثل هذه الخلايا التائية سيصابون بحالة أقل حدة من مرض “كوفيد-19” أم أنهم لن يعانوا منه على الإطلاق إذا تعرضوا لفيروس (سارس-كوف-2) في الحياة الواقعية. وفي الممارسة، لم يتوقف تفشي فيروس “كوفيد-19” على متن حاملة طائرات فرنسية حتى أصيب 70 في المائة من الطاقم بالعدوى، ما يشير إلى أن الحماية المتقاطعة من عدوى نزلات البرد قد تكون مجرد نظرية جميلة فحسب.
كل هذا يعني أنه إذا تُرك (سارس-كوف-2) طليقًا، فربما يصاب نصف الناس أو أكثر بالعدوى على مدار ستة أشهر. ويقضي “اقتراح بارينغتون العظيم” بأنه، بينما يحدث هذا، يجب على البلدان مضاعفة جهودها لحماية الفئات الأكثر ضعفاً. وليس تحديد من هم هؤلاء الأشخاص الضعفاء بالمهمة المضمونة، لكن المعرفة بأسوأ مركبات عوامل الخطر تتحسن. وتصف ورقة بحثية نُشرت في المجلة الطبية البريطانية يوم 20 تشرين الأول (أكتوبر) معادلة لحساب مخاطر الإصابة بفيروس “كوفيد-19” والتي تتنبأ باحتمالية دخول الفرد إلى المستشفى والموت، باستخدام بيانات عن 6 ملايين شخص في بريطانيا. وأظهر التحقق من صحة هذه الخوارزمية على مليوني شخص آخر أن الـ5 في المائة من الأشخاص الذين توقعت الصيغة الحسابية أن يكونوا أكثر عرضة للخطر يمثلون 75 في المائة من وفيات “كوفيد-19”.
لكن الوعي بهذه العلامات لدرجة الخطر هذه أو العلامات الأبسط لتحديد المخاطر العالية (الشيخوخة، والسمنة، ومرض السكري على وجه الخصوص) غالبًا ما تكون قليلة الفائدة في الممارسة العملية. لا يستطيع معظم الناس تغيير حياتهم بطرق تقضي على خطر الإصابة بالعدوى، خاصة عندما يكون هناك الكثير من العدوى في كل مكان. وسوف يصاب أولئك الذين يعتنون بهم، أو يعيشون معهم في المنزل نفسه، بالعدوى في مرحلة ما -وينقلون إليهم الفيروس عن غير قصد. وعلى الرغم من أن معظم الوفيات الناجمة عن “كوفيد-19” تحدث بين كبار السن، فإن العديد من البالغين في الفئات العمرية الأصغر معرضون لخطر كبير أيضاً. في ذروة وباء “كوفيد-19” في إنجلترا وويلز، كانت الوفيات بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عامًا أعلى بنسبة 80 في المائة من المعتاد، على الرغم من الإغلاق والنصائح الرسمية للأشخاص الأكثر عرضة “لحماية أنفسهم” من الفيروس من خلال عدم مغادرة منازلهم على الإطلاق.
على الرغم من أن الغالبية العظمى من الناس لا يصلون إلى حالة المرض الخطير في حالة الإصابة بفيروس “كوفيد”، إلا أن ما يصل إلى 5 في المائة ممن تظهر عليهم الأعراض قد تظل صحتهم غير حسنة لمدة ثمانية أسابيع على الأقل (وهي حالة تُعرف باسم “كوفيد الطويل”). ولم يتعاف بعضهم بعد ستة أشهر، وهناك مخاوف من أنهم قد لا يعودون إلى طبيعتهم أبدًا. وحتى لو انتهى المطاف بأقل من 1 في المائة من المصابين ليكونوا ضمن هذه المجموعة غير المحظوظة، سيكون هناك بالنسبة لبلد بحجم بريطانيا مئات الآلاف من الأشخاص المصابين بإعاقة مدى الحياة. وثمة مجهول كبير آخر هو ما إذا كانت هناك أي عواقب صحية خفية للفيروس قد تظهر في المستقبل. وقد جدت بعض الدراسات تغيرات طفيفة في القلب بعد الإصابة الخفيفة بفيروس “كوفيد-19”. وقد لا يكون واضحًا لسنوات ما إذا كانت هذه التأثيرات ستؤدي إلى مشاكل قلبية خطيرة لبعض الناس، أو أنها ستكون غير مهمة على الإطلاق.
جمع بين الطريحة والنقيضة؟
خطة “بارينغتون العظيم”، إذن، هي عرض عالي المخاطر وعالي المكافآت. وعلى النقيض من ذلك، فإن خطة “جون سنو” ستقلل من الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا على المدى القصير، لكن المطاف قد ينتهي بالأرواح التي تُفقد على المدى الطويل بسبب عمليات الإغلاق وغيرها من الاضطرابات، وقد أصبحت أكثر عددًا. وبمرور الوقت، بينما تعمل الحكومات على إصلاح أنظمة الاختبار والتتبع اللازمة لاستبدال القيود الأوسع نطاقًا، سوف يصبح الحافز لاتباع مسار عمل “اقتراح بارينغتون العظيم” أقل فعالية.
مع الحظ، سوف يصبح هذا النقاش برمته غير ذي صلة لدى اختراع لقاح أو تطوير أدوية مناسبة لعلاج “كوفيد”. ومن المتوقع ظهور نتائج العديد من تجارب فعالية اللقاحات والاختبارات على الأدوية الواعدة في الأسابيع المقبلة. وإذا أصبح فيروس “كوفيد-19” أقل فتكًا وتحققت بعض مناعة القطيع من لقاح، فإن المسارات التي رسمها الاقتراحان سوف تتلاقى معًا في نهاية المطاف.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Controlling the pandemic: Should covid be left to spread among the young and healthy?

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock